خلال القرن التاسع عشر الميلادي نشطت في مصر عملية الاستكشافات الاثرية والتي أدت الى زيادة المعرفة بالتاريخ المصري القديم، في عصور ما قبل الفتح العربي الإسلامي عام 642م. ورغم انبهار الدارسين الأجانب بذلك التاريخ وحرصهم على دراسته وزيادة المعرفة فيه. مع الأسف اتخذ المصريون منه موقفا سلبيا ناتجا عن اجتهاد لبعض رجال الدين، الذين قالوا ان صلتنا كمصريين لأولئك القدماء مقطوعة، كونهم أمة وثنية غير مؤمنة بالله، منها من عادى انبياء الله كما ورد في القصص القرآني، كما ان اتصالنا باجدادنا من العرب المسلمين موصول برباط الدين واللغة، فهم إلينا أقرب من اولئك الذين عاشوا في العصور التالدة، فهم اشبه بقوم عاد وثمود من العرب البائدة الذين زالوا من الوجود بافعالهم وشركهم بالله تعالى، ولكن مازالت آثارهم وديارهم باقية تدل عليهم.
وعليه فقد بدأت المدارس في دراسة مادة التاريخ بتاريخ المسلمين وعصر الفتوحات والدولة الإسلامية، فالعصر العباسي والايوبي والمملوكي والعثماني الى عصر محمد علي باشا وانجازاته. وتجاهلت حقبة التاريخ القديم تماما وايضا العصر البطلمي والروماني وكأنها لم تكن! ومع نشاط الحركة الوطنية المصرية مطلع القرن العشرين وبداية ظهور القومية المصرية بجهود مصطفى باشا كامل ورفاقه، رأي كامل أن تاريخ مصر القديم هو المميز للشخصية المصرية وهويتها بين الأمم الأخرى، ويعتبر جزءا أصيلا من التاريخ المصري الطويل، خاصة انه يحتوى على صفحات عديدة تبعث على الفخر والسيادة على ما حول مصر من الأمم، ولم تكن حقبة سوداء مظلمة كما يحلو للبعض أن يصفه! وعليه يجب على كل مصري الإعتزاز بتاريخ وطنه ودراسته والانكباب عليه، واكتشاف المزيد منه لتكوين او تصحيح الخط الزمني للتاريخ الممتد إلى عصور أو حضارات ما قبل الأسرات، إلى العصر الإسلامي.
| مصطفى باشا كامل |
اعتز مصطفى باشا كامل باكتشافات علماء الآثار لكنوز مصر القديمة، وقدَّم التاريخ المصري من زمن الملك مينا إلى الوقت الحاضر باعتباره تاريخًا واحدًا لا يتجزأ، ويجب أن يفخر به جميع المصريين. رأى كامل في محمد علي باشا أنه لم يؤسس مصر الحديثة كما يُروج البعض وقتها، ولكنه أعادها إلى مكانتها التاريخية كقوة عظمى، والتي بدأت من العصر القديم، زمن الملك رمسيس الثاني وتحتمس وبسماتيك وشيشنق وغيره. كان مصطفى كامل فخوراً بأصله المنتمي إلى الفلاحين لا إلى الأتراك أو الچراكسة، ورأى نفسه مصريا في المقام الأول ثم مواطنا تابعا الإمبراطورية العثمانية بعد ذلك بمسافة كبيرة. كما كان موقف كامل من دور الإسلام في تكوين الشخصية الوطنية المصرية مرنا لحد كبير، أو نستطيع أن نقول إنه كان اعتمادا على جموره المُخاطَب. قال كامل في مرة أن الإسلام هو حَجَر الزاوية في الهوية المصرية، وفي موضع أخر أكد على أن الانتماء للوطن جزء لا يتجزأ من كون المرء مصريًا، وهو ما يجعل الأقباط واليهود المصريين على قدم المساواة مع المسلمين، وهو وضع لم يكن مألوفا أنذاك! مال كامل أيضا إلى اعتبار أن الهوية المصرية مدعومة من قِبل الإسلام لا مبنية على الإسلام! وفي موضع آخر روَّج كامل للخطاب القومي الإسلامي الخاص بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، واتخذ صفه في عديد من المواجهات مع إدارة الاحتلال البريطاني، في مشكلة الحدود عام 1892 وطابا عام 1906م ، ايضا قدم كامل شروحا عديدة لرؤية السلطان عبد الحميد للقومية الإسلامية بإعتبارها أفضل طريقة للحصول على دعم السلطان لحق مصر في الاستقلال عن البريطانيين، حتى أُعجب به ذلك الأخير ومنحه لقب "باشا"! كما كانت تميل كتابات كامل إلى القول بأن مسلمي مصر لديهم من القواسم المشتركة مع بعضهم البعض أكثر مما لديهم مع المسلمين من الأراضي الأخرى، ورأى الإسلام هو وسيلة لتوحيد الشعب المصري وليس هو الغاية في حد ذاته. وبذلك تشكلت الهوية المصرية، او الروح الوطنية التي اعتمد عليها اولئك الزعماء ومن جاءوا بعدهم، في مواجهتهم مع جيوش الإحتلال خلال ثورة عام 1919 وما تلاها من أحداث.
وعندما تولت حكومة الوفد برئاسة سعد باشا زغلول السلطة عام 1924 بدأت المدارس المصرية في تدريس تاريخ مصر القديم، بدءا من الملك مينا (نعر مر) وتوحيد القطرين، وإلقاء مزيد من الضوء على عصر بناة الأهرام، وانجازات ملوك الدولة الوسطى، والامبراطورية المصرية في عصر الدولة الحديثة، الى الغزو الاشوري والفارسي والمقدوني وانتهاء حقبة التاريخ القديم، وبدء حقبة التاريخ البطلمي والروماني. ومازلنا ندرس ذلك إلى الآن.

