نقرأ في عديد من التعليقات على منشوراتنا من الإخوة المُلمين باللغة العربية من إقليم كُردستان العراق، من يحاول أن يفرض "وهمية" الأصل الكُردي لمحمد علي باشا والأسرة العلوية التي حكمت مصر، وهم بذلك يضربون عرض الحائط بكل المراجع والأصول التاريخية التي تحدثت عن تاريخ "الباشا" واسرته، والتي تؤكد أنه كان من أسرة ألبانية أو أرناؤوط تقطن مدينة قَوَله بإقليم مقدونيا شمال اليونان منذ سنين طويلة، تنحدر أصولهم من الاناضول، وكانوا يتحدثون التركية العثمانية، والتي ظل يتحدثها الباشا لآخر أيام حياته. ولكن إخواننا الأكراد قد يكون لهم في رؤيتهم أسبابا عديدة..
فمثلا يقولون أن الأمير محمد علي توفيق، من افراد الفاميليا وولي عهد الملك فؤاد وابنه فاروق من بعده، له تصريح صحفي سابق في احدى المجلات إن أصول عائلتهم تمتد إلى مدينة (ديار بكر / آمد) والتي هي من مدن الأناضول التي يقطن بها بعض أكراد تركيا، ولكن هذا ليس دليلا على كُردية محمد علي باشا وأسرته! فالمدن الواقعة في مناطق الأكراد لا يقطنها أكرادًا فحسب، وبالذات مع هجرة القبائل التُركية والتركمانية والقوقازية والابخاز وغيرهم، ممن انتشروا في ربوع الأناضول بعد هجرة سكانه من البيزنطيين لليونان، هربا من المواجهات السلجوقية والعثمانية للروم خلال القرون الثاني عشر للرابع عشر الميلادي. فلما احتل العثمانيون اقليم مقدونيا شمال اليونان، عملوا على تهجير بعض القبائل التركية المسلمة من الأناضول إليه لمعادلة التركيبة السكانية لقاطنية من المسيحيين اليونانيين، منهم أجداد محمد علي باشا. والذي يؤكد هنا عديد من الباحثين والمؤرخين المعاصرين له، وحتى من نقلوا عنهم في وقت لاحق، على هويتهم التركية العثمانية. والدليل على ذلك هي اللغة، فالأكراد دائما ما يتحدثون بينهم لغتهم المحلية فقط، وإن كانوا جزءا من نظام يتحدث لغات مختلفة، وهذا مالم نلمحه من محمد علي باشا وكل من كانوا معه، ومالم يرويه عنه أي مؤرخ أو معاصر له على الإطلاق! وحتى لو فرضنا بصحة تصريح البرنس محمد علي توفيق، فهو يقصد مدينة ديار بكر التُركية الواقعة في الأناضول العثمانية، ولم يخطر بباله أن سُكانها من الأكراد سينسبونه إليهم ذات يوم، ماذا لو كان سمع بهذا؟ وماذا سيكون رده؟
يقول الأكراد أيضا إن أغلب رُتب الجيش الذي كونه محمد علي باشا (سرجشمه / ميرميران / ميرلاى / بكباشى..) هي كلمات كُردية، وكذلك كلمة (خديوِ) التي اختارها حفيده اسماعيل باشا لقبا له، وطلب من السلطان العثماني منحه إياه عام 1866م. واقع الأمر إن هذه الرُتب محمد علي اخذها من الجيش العثماني فقد كانت هي الرتب الرسمية به، وهي مصطلحات تعود للثقافة الفارسية (وليست الكُردية بالطبع) والتي كانت متوغلة داخل الثقافة التركية لأقصى حد. فإن كانت مُستخدمه في اللغة الكُردية ايضا كما تقولون، فمن المؤكد أنها تعود لأصول فارسية، فنحن نعلم جميعا التقارب اللغوي بين الفارسية والكُردية. كذلك كلمه (خديوي) وهي لقب فارسي قديم بمعنى الأمير أو السيد، وهو مُشتق من كلمه خُدايا بمعنى ربي وسيدي. وقد استخدم ذلك اللقب ايضا بعض سلاطين مغول الهند، بالذات في ممالك ساحل الهند الغربي خلال القرن السابع عشر الميلادي، فهل كانوا أكرادا؟ ومن ثَم فاستخدام ذلك اللقب من الأتراك العثمانيين ليس غريبا لتوغل الثقافة الفارسية في لغتهم كما قلنا.
أيضا يتأمل بعض الأكراد في صور محمد علي باشا وملابسه وأسلوب لفة العِمامه والسروال المنقوش حتى السيف الذي كان يتمنطق به، ويقولون ان كل هذا موجود في التراث الكردي وهم يعلمونه جيدا. ونؤكد أن أغلب ملابس (الشرقيين) عموما في تلك الفترة متشابهة إلى حد كبير، فلو نظرت لصورة محمد بك الدفتردار، أو عابدين بك، أو صالح قوش باشا، أو غيرهم من قادة الأرناؤوط الذين اصطحبوا محمد علي باشا لمصر لوجدت نفس طراز الملابس والسراويل والعمامة والسيف، فهل هؤلاء أيضا من أصول كُردية؟
وأخيرا لا نتعجب من موقف إخواننا الأكراد فقد اعتادوا أن ينسبوا عديد من الشخصيات التاريخية إليهم، ولكن إعلموا جميعا أن الهوية الكردية لم تتشكل بشكلها الحالي إلا مطلع القرن العشرين، مع عديد من الهويات الاخرى ردا على استئثار القوميين الأتراك بالمناصب العليا في الجيش العثماني ومؤسسات الدولة، قبل ذلك كان الأكراد يذوبون في الثقافات الأخرى المُحيطة بهم، سواء الفرس في إيران، او العرب في العراق، او الأتراك في الأناضول، فالأكراد لم تكن لهم أبدا دولة مستقل منفصلة تضمهم وتحدد هويتهم، وإلى الآن هم مازالوا يتوزعون بين عديد من الدول، يعتزون بهويتهم وقوميتهم ولغتهم بدرجة بها كثير من المغالاة، وهذا حقهم لا ننكره، ولكن لا تحاولون فرض ذلك على الثقافات الأخرى، فليس كل العابدين يفهمون كما تفهمون أنتم على أية حال.

