خبيئة الدير البحري شاهدة على صمود الأمجاد في وجه الزمان

طارق الشافعي
كتب
0
في أعماق الصخور القاسية لمنطقة الدير البحري بالأقصر، وتحديداً في بقعة نائية لا تطالها إلا عين الصقر، تكمن واحدة من أعظم قصص الحضارة المصرية القديمة؛ قصة ليست عن البناء والتشييد فحسب، بل عن الوفاء للأجداد ومحاولات مستميتة للحفاظ على أجسادٍ حكمت الدنيا يوماً. إنها قصة "الخبيئة الملكية" أو المقبرة رقم (TT320)، التي لم تكن مجرد مدفن لملك واحد، بل كانت ملاذاً أخيراً لملوك مصر العظام حين عصفت رياح الاضطراب بالإمبراطورية.


الجذور التاريخية: زمن الانحدار وحكم الكهنة

تعود جذور هذه القصة إلى ما قبل ميلاد المسيح بنحو تسعة قرون، وتحديداً خلال عهد الأسرة الحادية والعشرين. في ذلك الوقت، كانت الدولة المصرية تعاني من حالة من التفكك السياسي والضعف الاقتصادي، مما أدى إلى انتشار الفوضى وتجرؤ اللصوص على تدنيس المقابر الملكية في "وادي الملوك" بحثاً عن الذهب والكنوز.

أمام هذا المشهد المأساوي، وجد كهنة "آمون" في طيبة أنفسهم أمام مسؤولية أخلاقية ودينية جسيمة؛ فمومياوات الملوك ليست مجرد أجساد، بل هي "آلهة" في العقيدة المصرية القديمة، وبقاؤها شرط أساسي لاستمرار النظام الكوني. كان "بينوزم الثاني"، كبير كهنة آمون، قد أعد لنفسه ولزوجته "نسخنسو" مقبرة حصينة في منحدرات الدير البحري الوعرة، بعيداً عن المسارات التقليدية. وعند وفاته عام 969 ق.م، دُفن في هذا الموضع الذي صُمم ليكون مخفياً تماماً عن الأعين.




تشكيل الخبيئة: الملاذ الأخير للعظماء

لم يكتفِ الكهنة بدفن "بينوزم" وحده، بل اتخذوا قراراً تاريخياً جريئاً؛ وهو جمع مومياوات ملوك الدولتين الحديثة والوسطى من مقابرهم التي تعرضت للنهب، وإعادة ترميمها ولفها بكتان جديد، ثم نقلها في جنح الظلام إلى مقبرة "بينوزم الثاني". هكذا تحول المدفن الخاص إلى "خبيئة" ملكية ضمت رفات أعظم من وطأت أقدامهم الأرض، ليرقد رمسيس الثاني بجانب تحتمس الثالث، وأحمس الأول بجوار سقنن رع، في صمت مهيب استمر لأكثر من ثمانية وعشرين قرناً.


عائلة عبد الرسول: الصدفة التي كشفت المستور

ظلت الخبيئة في مأمن من غدر الزمان حتى عام 1871م. في ذلك العام، قادت الصدفة أحد أفراد عائلة "عبد الرسول" –وهي عائلة اشتهرت في قرية "القرنة" بمعرفتها العميقة بدروب الجبل وتخصصها في التنقيب غير المشروع– إلى اكتشاف مدخل البئر المؤدي للمقبرة.

عشر سنوات كاملة ظلت فيها عائلة عبد الرسول تنهب محتويات الخبيئة ببطء وحذر. لم تكن المومياوات غايتهم، بل كانت الجواهر والبرديات والأواني الجنائزية والتمائم الثمينة التي لم تمسها يد من قبل. بدأت هذه القطع النادرة تظهر في أسواق العاديات بالأقصر والقاهرة، بل ووصلت إلى مقتني الآثار في أوروبا، مما أثار دهشة وشكوك العلماء.

جاستون ماسبيرو وفك لغز التجارة السوداء

استرعى انتباه العالم الفرنسي "جاستون ماسبيرو"، مدير مصلحة الآثار المصرية آنذاك، وجود قطع أثرية تحمل أسماء ملوك عظام لا يُعرف لها مكان مدفن محدد. أدرك ماسبيرو بحسه الأثري أن هناك "منجماً" للأسرار قد فُتح في الأقصر. وبعد تحقيقات مضنية وضغوط مارستها السلطات، اعترف "أحمد عبد الرسول" بمكان المقبرة في عام 1881م.
يروي التاريخ اللحظة المهيبة التي نزل فيها "إميل بروجش" (مساعد ماسبيرو) إلى المقبرة؛ حيث وجد نفسه وجهاً لوجه مع تاريخ مصر بأكمله. قال ماسبيرو واصفاً هذا الكشف: "إن هذا أعظم كشف للآثار المصرية في التاريخ، ولو لم يُنهب لكان الأعظم في تاريخ البشرية جمعاء". لقد كانت المقبرة مكدسة بالتوابيت لدرجة أن الباحثين اضطروا للمشي بحذر شديد فوق الأثاث الجنائزي للوصول إلى المومياوات.


محتويات الخبيئة: سجل الشرف المصري

ضمت الخبيئة 44 مومياء، كل واحدة منها تمثل فصلاً من فصول المجد المصري:
  • أسرة التحرير: ضمت الخبيئة الملكة "تيتي شيري" الجدة العظيمة، وابنها "سقنن رع الثاني" الذي ظهرت على جمجمته آثار طعنات الهكسوس، وحفيدها "أحمس الأول" محرر مصر، وزوجته "أحمس نفرتاري".
  • بناة الإمبراطورية: وعلى رأسهم "تحتمس الثالث" نابليون الشرق، الذي خاض سبع عشرة حملة عسكرية ولم يُهزم قط.
  • عصر الرعامسة: الملك "سيتي الأول" صاحب أجمل مقبرة في وادي الملوك، وابنه "رمسيس الثاني" العظيم، صاحب معركة قادش وأول معاهدة سلام في التاريخ.
  • نهاية العصر: مومياوات من الأسرة الحادية والعشرين، مثل الملكة "نجمت" والعديد من الأمراء والأميرات.

مقارنة تاريخية: توت عنخ آمون والملوك العظام

حين اكتشف "هوارد كارتر" مقبرة الملك الشاب "توت عنخ آمون" عام 1922، ذهل العالم بالكميات الهائلة من الذهب والكنوز. ولكن بالنظر إلى الحقائق التاريخية، نجد أن "توت عنخ آمون" كان ملكاً صغيراً لم يحكم طويلاً ولم يترك أثراً سياسياً أو عسكرياً يذكر.
هنا يطرح السؤال المحير نفسه: إذا كانت هذه هي كنوز ملك "هامشي" في تاريخ مصر، فكيف كانت كنوز ملك مثل "تحتمس الثالث" الذي سيطر على أصقاع الأرض؟ أو "رمسيس الثاني" الذي ملأ الدنيا بمبانيه ومعابده؟ إن خبيئة الدير البحري، رغم نهب كنوزها الذهبية على يد عائلة عبد الرسول وقبلهم لصوص العصور القديمة، تظل "أثمن" من مقبرة توت عنخ آمون؛ لأنها منحتنا "الأجساد" الحقيقية لصناع المجد، وهو ما لا يقدر بمال.


رحلة الخلود المستمرة

نُقلت المومياوات في موكب جنائزي مهيب عبر النيل من الأقصر إلى القاهرة، حيث اصطف الأهالي على ضفتي النهر يودعون ملوكهم بالبكاء والعويل، في مشهد يثبت أن الرابط بين المصري وأجداده لا يقطعه الزمن. وذلك يؤكد على نقطة أن خبيئة الدير البحري لم تكن مجرد "مخزن" للمومياوات، بل كانت "سفينة نوح" التي حملت تاريخ مصر عبر طوفان الفوضى والسرقات. وبفضل أولئك الكهنة المخلصين في العصور القديمة، وبفضل يقظة الأثريين في العصر الحديث، استطاع هؤلاء الملوك أن يحققوا نبوءاتهم القديمة بالخلود، ليظلوا شهوداً أحياء على عظمة حضارة لم ولن تتكرر.
الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)