قد لا يعلم الكثيرون أن المسيحية تاريخيًا في بداياتها تعامل الاخرين معها على أنها إحدى الطوائف اليهودية المتعددة التي كانت موجودة في فترة الهيكل الثاني. حيث لم تكن هناك نقطة تحول واحدة وواضحة، بل كانت عملية انفصال تدريجية ومعقدة (يشار إليها أحياناً في الأوساط الأكاديمية بـ "طريق الافتراق" The Parting of the Ways) وقد استمرت لعدة قرون.
بدأت الحركة المسيحية على يد عيسى الناصري عليه السلام وأتباعه الأوائل، وجميعهم كانوا يهودًا ملتزمين بالشريعة اليهودية والعبادة في الهيكل. كان اعتقادهم الرئيسي الذي ميزهم هو أن عيسى هو المسيح (المسيّا) الموعود، لكنهم ظلوا يمارسون شعائرهم اليهودية الأخرى. ومن أهم العوامل الرئيسية ومراحل هذا الانفصال كان مجمع أورشليم (عام 50 م)، والذي كان حدثًا محوريًا، حيث اتفق الرسل او الحواريين من اتباع عيسى المسيح عليه السلام، على أن المؤمنين من غير اليهود (الأمم) ليسوا ملزمين باتباع شريعة موسى بأكملها، بما في ذلك الختان. وقد ساهم هذا القرار في تسهيل انتشار المسيحية في العالم الروماني وسمح بانضمام أعداد كبيرة من غير اليهود، مما غيّر التركيبة السكانية للحركة بشكل كبير.
ايضا كانت الحرب اليهودية الرومانية الأولى وتدمير الهيكل (70 م) ذلك الحدث الذي كان ذو تأثير عميق. فبينما شارك اليهود القوميون في الثورة ضد الرومان، ظل المسيحيون محايدين إلى حد كبير، وهو ما اعتبره العديد من اليهود خيانة. كما أدى تدمير الهيكل إلى نهاية العديد من الطوائف اليهودية الأخرى وظهور اليهودية الربانية (التي هيمنت لاحقًا)، بينما استمرت المسيحية في النمو والتنظيم بشكل منفصل. ايضا كان الطرد من المجامع (أواخر القرن الأول الميلادي) والذي حدث بحلول نهاية القرن الأول، حيث أصبح المسيحيون يُنظر إليهم على أنهم مجموعة منفصلة او فرقة مارقة عن اليهودية، وورد أن الفريسيين طردوهم من مؤسساتهم. ثم كانت ثورة بار كوخبا (132 - 136 م) والتي رفض المسيحيون المشاركة فيها أيضاً، تعتبر هي العامل الأكبر في ترسيخ الانقسام بين المجموعتين.
اما الفترة من القرن الثاني الى الرابع الميلادي تطورت اللاهوتيات المسيحية بشكل أكبر وتمايزت عن اليهودية، حتى أصبحت المسيحية ديانة عالمية مستقلة وذات هوية واضحة المعالم بحلول القرن الرابع، خاصة بعد أن أصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية. وقد كانت الاختلافات اللاهوتية بين المسيحيين الأوائل واليهودية الحاخامية - لا سيما حول الشريعة وطبيعة المسيح عليه السلام - هي المحركات الأساسية للانفصال بين الديانتين.
الخلاف حول الشريعة اليهودية (الهالاخاه) حيث كانت تلك الشريعة تمثل حجر الزاوية في الحياة والمجتمع اليهودي، وتشمل مجموعة شاملة من الوصايا الإلهية والقوانين. اختلف المسيحيون واليهود بشكل جوهري حول إلزامية هذه الشريعة في العهد الجديد. فبعد تدمير الهيكل عام 70 م، أصبحت دراسة التوراة والالتزام بالوصايا هي الممارسات المركزية لليهودية، لتحل محل طقوس الهيكل. اعتبرت هذه اليهودية أن الالتزام الكامل بالشريعة ضروري للحفاظ على العهد مع الله. في الوقت الذي بدأت فيه المسيحية المبكرة في التحرر من الشريعة كما أسلفنا مما خلق فجوة لاهوتية عميقة مع اليهودية التي رأت في إهمال التوراة ابتعاداً عن الدين.
ويكمن الاختلاف الجوهري والأكثر حدة في الهوية اللاهوتية لشخصيه عيسى الناصري او المسيح عليه السلام، حيث تؤكد اليهودية بشدة على وحدانية الله وترفض أي فكرة عن إله يتجسد في هيئة بشرية. بالنسبة لليهود، فإن فكرة أن المسيح الموعود (المسيّا) يمكن أن يكون إلهًا متجسدًا هي فكرة تتعارض مع التوحيد الخالص الذي تقوم عليه الشريعة اليهودية. بينما يرى المسيحيون بالإيمان بأن عيسى الناصري هو المسيح المنتظر (المسيّا) هو العقيدة الأساسية في المسيحية. تطور هذا الإيمان حتى أصبح ما يعرف في اللاهوت المسيحي بعقيدة "الاتحاد الأقنومي"، التي تنص على أن المسيح هو إله كامل وإنسان كامل في شخص واحد غير قابل للتجزئة. وصار هذا الاعتقاد بألوهية المسيح هو التمييز اللاهوتي الأبرز بين الديانتين، والذي ساهم في الخروج بالمسيحية من عباءة اليهود، الى ان ظهرت عقيدة الثالوث المقدس .
خلال القرن الثاني الميلادي، ظهرت عديد من الاناجيل، التي حملت طياتها مفاهيم كثيرة دفعت اباء الكنيسة الاوائل للعمل لفهم العلاقة بين المسيح والله والروح القدس بناءً على الكتاب المقدس. في وقت لم تكن العقيدة مصاغة بالكامل في البداية، وهكذا ظهرت وتطورت عقيدة الثالوث تدريجيًا على مدى قرون قبل أن يتم تحديدها رسميًا في المجامع المسكونية في القرن الرابع الميلادي. وبدأ المفهوم بالظهور في كتابات العهد الجديد، حيث أشير إلى الآب والابن والروح القدس، وأحياناً بصيغة الجمع عند الإشارة إلى الله في مواضع مثل سفر التكوين. ومع ذلك، لم يكن مصطلح "الثالوث" أو "الثالوث الأقدس" موجودًا بشكل صريح في النصوص الأصلية، بل تمت صياغته لاحقًا.
وفي القرن الثاني الميلادي، كان ثيوفيلوس الأنطاكي أول من استخدم مصطلح "الثالوث" (Trias باليونانية) في عمله "إلى أوتوليكوس" للإشارة إلى الله وكلمته وحكمته. وفي القرن الرابع الميلادي (حيث مجمع نيقية 325 م) شهد هذا المجمع نقطة تحول رئيسية في صياغة العقيدة. رداً على تعاليم آريوس (الذي جادل بأن الابن مخلوق وأدنى منزلة من الآب)، واعتمد المجمع "قانون الإيمان النيقاوي" الذي نص على أن عيسى المسيح هو "إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر".
وفي مجمع القسطنطينية الأول (381 م) تم استكمال صياغة تلك العقيدة الجديدة حيث تم التأكيد على ألوهية الروح القدس ومساواته للآب والابن، مضيفاً ذلك كجزء خاص إلى قانون الإيمان. وهنا اصبح مفهوم الثالوث يختلف اختلافاً جذرياً عن التوحيد اليهودي الصارم في مفهوم الوحدانية، حيث يؤكد التوحيد اليهودي على أن الله واحد في الكيان والجوهر والشخص، ويرفض رفضاً قاطعاً فكرة التجسد أو أي شكل من أشكال تعدد الأقانيم في الذات الإلهية. ويتجلى ذلك في سفر الخروج ("اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد") ما يعرف بشمعة يهودا التي هي أساس الإيمان اليهودي. أيضا عقيدة الثالوث فكرة "إله واحد في ثلاثة أقانيم متميزة: الآب والابن والروح القدس". المسيحيون يؤمنون بإله واحد، ولكن هذا الإله الواحد موجود في ثلاثة أقانيم متساوية في الألوهية والجوهر، ومتميزة عن بعضها البعض في الوظائف والعلاقات الأبدية. وقد صارت ألوهية المسيح والروح القدس هي ركائز أساسية للإيمان. فكان هذا الاختلاف اللاهوتي هو الحاجز الأكبر الذي حال دون استمرار المسيحية كطائفة يهودية.
