اعتاد الكثيرون منا النظر إلى التاريخ باعتباره مجرد حكايات تُروى قبل النوم، أو قصصاً عن ملوك وقادة رحلوا وتركوا خلفهم أطلالاً صامتة. لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن التاريخ ليس مجرد سرد لما مضى، بل هو ساحة معركة حامية الوطيس، سلاحها القلم، وذخيرتها الكلمات، وهدفها ليس احتلال الأرض فحسب، بل احتلال العقول وسرقة الهويات. خلال هذه السطور نضع بين ايديكم بعض الحقائق لنفتح أعيننا على حقيقة مرعبة: كيف يمكن لقصة ملفقة أن تصبح حقيقة راسخة إذا ما تكررت بما فيه الكفاية، وكيف يتحول المؤرخ من راوٍ أمين إلى محارب شرس في معركة الوجود.
معارك الورق القديمة: الإسكندرية كمسرح للصراع
يعود بنا الراوي إلى القرن الأول الميلادي في مدينة الإسكندرية، عروس المتوسط، التي لم تكن تضج بالحياة فحسب، بل بالصراعات العرقية والدينية أيضاً. هناك، نرى كيف استُخدم التاريخ كأداة للتحريض والإقصاء. يظهر "أبيون"، الخطيب السكندري، الذي استخدم قلمه لشن هجوم ضارٍ على اليهود، مستنداً إلى "تاريخ" مزعوم يدعي أن أصلهم يعود لمجموعة من المرضى والمجذومين الذين طردهم الفراعنة. لم يكن "أبيون" يلقي خطباً جوفاء، بل كان يستند إلى تحريف نصوص المؤرخ المصري "مانيتون" ليضفي شرعية تاريخية على كراهيته، مما أدى إلى مذابح حقيقية.
وعلى الجانب الآخر، وفي روما، نجد "يوسيفوس فلافيوس"، المؤرخ اليهودي الذي قلب الطاولة. لم يكتفِ يوسيفوس بالدفاع، بل قام بعملية "سطو تاريخي" مضادة. فقد استغل تشابه الأسماء والتواريخ ليدعي أن اليهود هم "الهكسوس" أو الملوك الرعاه، وأنهم حكموا مصر وخرجوا منها بعزة وكرامة، لا مطرودين كما ادعى خصمه. كلاهما – أبيون ويوسيفوس – كذب، وكلاهما لوى عنق الحقيقة التاريخية لخدمة أجندته السياسية، وضاعت الحقيقة بين سطور الكتب، لكن الأثر الذي تركوه بقي لقرون.
الخطر المعاصر: سرقة الأرض والهوية
ومن غبار التاريخ القديم هلموا بنا إلى واقعنا المعاصر، لنكتشف أن اللعبة لم تتغير، بل تطورت أدواتها. اليوم، نشهد محاولات مستميتة لسرقة التراث المصري والهوية الوطنية عبر نفس التكتيكات القديمة: "اختلاق السردية".
يبرز المثال الأول في محاولات بعض الباحثين الإسرائيليين ربط مدينة "قنتير" في الشرقية (عاصمة رمسيس الثاني "بر رمسيس") بروايات التوراة عن الخروج، بهدف خلق "حق تاريخي" مزعوم في الأرض المصرية. إنها نفس لعبة يوسيفوس: البحث عن موطئ قدم في التاريخ لتبرير الوجود في الحاضر. يتم ليّ عنق الاكتشافات الأثرية، وتفسير النصوص القديمة بشكل أحادي لخدمة هذا الغرض، في محاولة لسرقة جزء من الحضارة المصرية ونسبه لغير أهله.
أما الخطر الثاني والأكثر صخباً، فيتمثل في حركة "المركزية الأفريقية" (Afrocentrism). هؤلاء لا يسعون لسرقة قطعة أرض، بل يسعون لسرقة الحضارة برمتها. عبر استخدام القوة الناعمة، ومشاهير الفن، والضخ الإعلامي المكثف، يحاولون ترسيخ صورة ذهنية زائفة بأن المصريين القدماء كانوا أفارقة سوداً، وأن سكان مصر الحاليين مجرد "غزاة". إنهم يطبقون ببراعة قاعدة الدعاية النازية القديمة: "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس". عندما يرى العالم نفس الصورة المزيفة تتكرر ألف مرة، ستتحول في الأذهان إلى حقيقة، وتتوارى الحقائق العلمية في الظل.
المواجهة: حرب الوعي وصناعة المحتوى
إن الدرس المستفاد من هذا الطرح العميق هو أن "الحقيقة العلمية المجردة" وحدها لا تكفي في معركة السرديات. قد تمتلك الحق، وتمتلك الآثار، وتمتلك الوثائق، لكن إذا كان صوت خصمك أعلى، وسرديته أكثر جاذبية وانتشاراً، فإنك ستخسر المعركة.
إن الرد على هذه الافتراءات لا يكون فقط بالمؤتمرات الأكاديمية المغلقة أو الكتب المعقدة التي لا يقرؤها أحد، بل يجب أن يكون بنفس السلاح: صناعة المحتوى. نحن بحاجة إلى إغراق الفضاء الإلكتروني بمحتوى جذاب، قوي، ومبهر بصرياً يسرد الحقيقة التاريخية. يجب أن نكتب تاريخنا بأيدينا قبل أن يكتبه غيرنا لنا.
الخاتمة
في الختام، يُعلمنا التاريخ أن الأمم التي لا تحمي ذاكرتها محكوم عليها بالزوال المعنوي قبل المادي. التاريخ ليس رفاهية فكرية، بل هو وثيقة ملكية للأرض وللهوية. وكما كان الإسكندر الأكبر يصطحب معه المؤرخين ليصيغوا أساطيره ويخلدوا ذكراه، يجب علينا اليوم أن نكون حراساً يقظين على تاريخنا. إن المعركة اليوم ليست بالسيف والمدفع، بل بالصورة والكلمة، والنصر فيها لمن يملك القدرة على رواية قصته وإسماعها للعالم بأسره. فلنحذر من أن يُسرق تاريخنا في وضح النهار، ولنتذكر دائماً أن من يملك الماضي.. يملك المستقبل.
أبرز النقاط المستفادة:
- التاريخ كأداة سياسية: تم التلاعب بالنصوص التاريخية منذ القدم (مثل نصوص مانيتون) لخدمة أهداف عرقية وسياسية.
- تكرار الكذبة: الاعتماد على نظرية أن تكرار السردية المزيفة (مثل ادعاءات الأفروسنتريك) يحولها بمرور الوقت إلى حقيقة مقبولة جماهيرياً.
- خطورة الصمت: الاكتفاء بالردود العلمية الجافة لا يجدي نفعاً أمام الدعاية الإعلامية الضخمة؛ الحل يكمن في إنتاج محتوى جماهيري موازٍ ينشر الحقيقة.
- الهوية المستهدفة: محاولات نسب الحضارة المصرية لغير أهلها هي سرقة معنوية أخطر من سرقة الآثار المادية.
