مع نهاية القرن السابع قبل الميلاد، كانت الإمبراطورية الآشورية تنهار بسرعة تحت ضربات القوى الصاعدة، وعلى رأسها التحالف البابلي-الميدي، بقيادة الملك البابلي نبوبولاسر، الذي أطلق شرارة الثورة ضد آشور عام 626 قبل الميلاد، وفي خضمّ هذا التحول الإقليمي، بدأت مملكة بابل الجديدة بالهيمنة على مناطق الهلال الخصيب، خاصة بعد التحالف مع الميديين، وهم قبائل إيرانية قوية، حيث ترك هذا التحالف البابلي-الميدي الجبهة الشمالية الشرقية لبابل مؤمّنة عبر اتفاقات غير مكتوبة، مما سمح للبابليين بتوجيه أنظارهم إلى الجبهة الغربية، حيث ظلت مصر تُعد الخصم الاستراتيجي الأول، والتي كانت تسعى لاستعادة نفوذها التقليدي في سوريا وفلسطين بعد انسحاب الآشوريين.
بلغت ذروة هذا الصراع في موقعة قرقميش عام 605 قبل الميلاد، التي وقعت على ضفاف نهر الفرات بالقرب من جرابلس الحالية شمال سوريا، حين حاولت قوة مصرية، دعم بقايا الجيش الآشوري ضد التمدد البابلي، لكن القوة المصرية سُحقت بالكامل في هذه المعركة على يد نبوخذنصر بن نبوبولاسر، القائد العسكري الذي سرعان ما عاد إلى بابل ليعتلي العرش بعد وفاة والده، وقد شكّلت هذه الموقعة نقطة تحول استراتيجية، حيث طردت مصر نهائيًا من أراضي الشام، لتصبح بابل القوة الوحيدة المهيمنة على كامل الإقليم الممتد من الخليج العربي إلى البحر المتوسط.
بعد قرقميش، توجه نبوخذنصر مباشرة إلى جنوب بلاد الشام لتأديب الممالك الصغيرة التي كانت قد أعلنت ولاءها لمصر، ومن بينها مملكة يهوذا، وعند هذه النقطة بدأت السنوات الأخيرة المأساوية لمملكة يهوذا، التي كانت آنذاك تحت حكم الملك يهوياقيم، والذي ما لبث أن أعلن ولاءه لمصر بعد المعركة المصرية-البابلية التي وقعت عام 601 قبل الميلاد قرب حدود غزة، عندما حاول نبوخذ نصر مهاجمة مصر بشكل مباشر، لكن حملته فشلت، وتكبّد خسائر كبيرة، ما شجّع نخاو الثاني ملك مصر على استعادة بعض النفوذ مؤقتًا في جنوب فلسطين، وقد ذكرت بعض الوثائق أن الجيش المصري تقدم آنذاك حتى مشارف غزة، ونجح في وقف التوسع البابلي لأمد قصير، مما دفع ملوك الممالك الكنعانية، مثل صور وصيدا، إضافة إلى مملكة يهوذا، إلى إعادة التحالف مع مصر.
هذا التصدّي المصري النسبي دفع يهوياقيم للتمرد على بابل، وهو تمرد كان ثمنه فادحًا، إذ أرسل نبوخذنصر حملة إلى القدس عام 597 قبل الميلاد، أسفرت عن الاستيلاء على المدينة، وأسر الملك الجديد يهوياكين، ابن يهوياقيم، مع كثير من النبلاء والحرفيين، ونقلهم إلى بابل، وأُقيم مكانه الملك صدقيا، وهو خال يهوياكين، ليحكم كملك تابع لبابل، غير أن النفوذ المصري لم يهدأ، بل استمر بتحريض الممالك الكنعانية على العصيان، وبتقديم الدعم الدبلوماسي والعسكري، وكان الدعم المصري واضحًا خلال السنوات التالية، حيث تمّ إرسال وفود سرّية من القدس إلى مصر، كما شاركت مصر بشكل مباشر في محاولة لفك الحصار الأخير عن القدس في بداية العقد الأخير من القرن السادس قبل الميلاد، وتشير المصادر إلى أن دعمًا عسكريّاً مصريًا حاول التدخل أثناء الحصار الأخير، لكنه تراجع أمام اقتراب قوات نبوخذنصر.
في هذه الأثناء، ساد شعور بالأمل الكاذب في يهوذا، إذ ظنّ البعض أن بابل بدأت تضعف، خاصة مع اندلاع تمرد داخلي في بابل عام 594/593 قبل الميلاد، في السنة العاشرة من حكم نبوخذنصر، وهو ما دفعه للبقاء في العاصمة وقمع التمرد، لكنه سرعان ما عاد إلى مواصلة حملاته الغربية، وكان من نتائج هذا الاضطراب أن ظهر أنبياء كذبة مثل حنانيا، الذي أعلن أن الله قد كسر نير بابل، وأن الأسرى سيعودون في غضون عامين، ما غذّى الأمل الزائف بإمكانية التحالف مع مصر لتحقيق الاستقلال، فبدأت المؤامرات الدبلوماسية والتحالفات السرية، وشهدت القدس نشاطًا واسعًا للتنسيق مع أدوم، وموآب، وعمون، وصور، وصيدا، إضافة إلى تواصل مستمر مع البلاط المصري، وهو ما ورد في سفر إرميا، حيث يظهر بوضوح أن أغلب الممالك الصغيرة كانت قد شاركت في هذه المؤامرات، وأرسلت وفودًا إلى ملك يهوذا لتنسيق الجهود ضد بابل.
رغم هذه التحركات، كان صوت الأنبياء الحقيقيين، مثل إرميا في القدس، وحزقيال في بابل، يدعو للاستسلام السياسي بوصفه طاعة إلهية، معتبرين نبوخذنصر خادمًا لله، أرسله لتأديب إسرائيل، وقد نبّهوا الملك صدقيا مرارًا إلى خطيئة نقض العهد مع بابل، وحذّروه من العواقب، لكن التحريض القومي والدعم المصري طغى على صوت النبوة، فأعلن صدقيا الثورة، ما دفع نبوخذنصر إلى فرض حصار نهائي على القدس استمر نحو عامين، وانتهى عام 587/586 قبل الميلاد بسقوط المدينة، وتدمير الهيكل، ونقل ما تبقى من السكان إلى السبي البابلي، في واحدة من أفظع الكوارث في تاريخ إسرائيل القديمة.
تكشف الألواح البابلية الأثرية المكتشفة مؤخرًا من المتحف البريطاني تفاصيل هذه الحقبة بدقة غير مسبوقة، حيث تغطي الفترة من عام 626 قبل الميلاد حتى 594 قبل الميلاد، وتُظهر التوترات المستمرة في الأراضي التابعة لبابل، حيث لم يكن هناك خضوع تام، بل كانت بابل مضطرة للقيام بحملات متكررة في أراضي الحثيين، أي سوريا وجنوب الأناضول، لتأديب العصاة وجمع الجزية، كما أن الألواح تُظهر اضطرابات داخلية في بابل نفسها، مثل التمرد في السنة العاشرة لنبوخذنصر، أو الرحلة العاجلة له لتولي العرش بعد وفاة والده.
لم تكن هذه الحملات العسكرية المتكررة ضد الممالك الصغيرة ومصر مجرّد استعراض للقوة، بل كانت استنزافًا هائلًا للموارد والاقتصاد البابلي، فقد شكّلت مطامع نبوخذنصر في التوسع غربًا، والحفاظ على هيبة الإمبراطورية في مواجهة العصيان الداخلي والتهديد المصري المستمر، عبئًا ثقيلًا على الخزانة والإدارة، وقد أدّت هذه السياسة العسكرية المكثفة إلى إنهاك البنية الاقتصادية لبابل، بحيث لم تعد قادرة بعد وفاته على الحفاظ على استقرار داخلي أو ردع التحديات الخارجية، وعندما ظهرت القوة الفارسية الصاعدة بقيادة كورش الكبير، لم تجد مقاومة حقيقية، فسقطت بابل بسهولة عام 539 قبل الميلاد، ولم تنهض بعدها مجددًا كإمبراطورية مستقلة، لتنتهي بذلك صفحة بابليّة عظيمة بدأت بصعود نبوبولاسر ونبوخذنصر، وانتهت تحت وطأة الإنهاك وسوء التقدير الاستراتيجي.
