القديس موريس المصري الصعيدي قائد الفيلق الطيبي وشفيع سويسرا

طارق الشافعي
كتب
0
من القصص التي تدعونا إلى تصحيح بعض السرديات التاريخية قصة عن القديس موريس (St. Maurice) والكتيبه الطيبية. والقديس موريس هو الشفيع التاريخي لسويسرا، وتحديداً لبلدة "سان موريس" في كانتون فاليه، ويُعد من أكثر القديسين تبجيلاً في جبال الألب. 

وتروي بعض التقاليد الكنسيه انه كان قائداً لـ "الكتيبة الطيبية" (من طيبة، صعيد مصر)، وهي كتيبة رومانية تتكون بالكامل من جنود مصريين مسيحيين تم إرسالهم نهاية القرن الثالث الميلادي، في مهمة عسكرية لمنطقة "أجونوم" (سان موريتز حالياً في سويسرا) لقمع تمرد بعض السكان المحليين، ولما وجد موريس ومن معه أنهم مسيحيين رفضوا الأوامر بقتلهم أو التنكيل بهم، فاعتبرت السلطات الرومانية هذا تمرداً من الكتيبه، وأمر الامبراطور باعتقالهم وتعشيرهم (قتل واحد من كل عشرة) ولكنهم تمسكوا برأيهم إلى أن تم إعدامهم جميعا تنفيذاً لأوامر الإمبراطور ماكسيميان. وتقول السردية الكنسيه إنه لاحقا تم بناء دير باسم سان موريتز في الموقع الذي أُعدم فيه، وهو واحد من أقدم الأديرة في أوروبا التي لم ينقطع فيها الرهبنة منذ تأسيسه عام 515 م، به عديد من الأيقونات تظهر أعضاء الكتيبه بملابسهم العسكرية وببشرة داكنه مختلفه عن الاوروبيين.

وتعتمد قصة القديس موريس والكتيبة الطيبية بشكل أساسي على المصادر الكنسية، وتحديداً رسالة يوخاريس أسقف ليون Eucharis of Lyon والتي تُعد أقدم وأهم مصدر مكتوب حوالي عام 450م. ويذكر أنه سمع القصة من الأسقف إسحاق جنيف، الذي نقلها عن ثيودور أسقف أوكتودوروم، وهو أول من أكتشف رفات الشهداء في القرن الرابع الميلادي. أيضا أُدرج ذكر موريس في العديد من "كتب الشهداء" Martyrologue التي كانت تسجل وقائع الاضطهاد الروماني، مما ساهم في انتشار سيرته خارج سويسرا لتصل إلى ألمانيا وفرنسا. كما كشفت الحفريات في منطقة أجونوم Agionum في سويسرا عن بقايا كنيسة تعود للقرن الرابع الميلادي، وهو ما يتطابق مع رواية الأسقف ثيودور حول بناء مزار لتكريم الشهداء. 

في العصر الحديث يرى بعض المؤرخين (مثل ديفيد وودز) أن القصة قد تكون دعائية، صِيغت لأغراض سياسية أو دينية في القرن الرابع لتشجيع الجنود المسيحيين على الولاء للكنيسة بدلاً من الإمبراطور. في المقابل، يرى آخرون أن التفاصيل الجغرافية والتاريخية، مثل وجود الكتيبة واستخدام أسلوب "العشار" أو إعدام واحد من كل عشرة، تتماشى مع الممارسات العسكرية الرومانية في ذلك العصر. وأيا كان الخلاف حول تاريخية الشخصية، فقد أصبح القديس موريس الشفيع الرسمي لـ الإمبراطورية الرومانية المقدسة واليوم سويسرا وبعض مناطق بألمانيا. ومن أهم المصادر المادية "سيف القديس موريس" Imperial Sword الذي استُخدم في مراسم تتويج الأباطرة، رغم أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن السيف نفسه يعود للقرن الثاني عشر. 


إن مثل هذه الروايات كفيلة بتغيير السردية التقليدية عن عدم تجنيد المصريين في العصر البطلمي والروماني، وانهم اكتفوا بزراعة الأرض فقط، فعديد من الآثار تثبت إنهم كانوا ترساً هاما ضمن الآلة العسكرية الرومانية الكبيرة.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)