في أغسطس من العام 1828 جاء الى مصر، ضمن بعثة «فرنسية- توسكانية» العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون للتنقيب عن الآثار المصرية ومشاهدة بعض المعابد والاماكن الاثرية على الطبيعة، وجاءت الزيارة بعد نحو ست سنوات من نجاح شامبليون فى اكتشافه للطريفة الصحيحة لقراءة اللغة المصرية القديمة التى مكنت البشرية من معرفة أسرار تلك الحضارة المصرية ولتفتح باب التاريخ المصري على مصراعيه للدارسين.
| العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون |
كتب «شامبليون» رسالة إلى شقيقه حول لقائه مع محمد على، ويأتى نصها فى كتاب «شامبليون فى مصر، الرسائل والمذكرات» يقول شامبليون:
«قابلت الباشا فى الساعة الثامنة من صباح اليوم (24 أغسطس) ويمتلك سموه العديد من المنازل الخشبية الجميلة المشيدة بذوق وإتقان على شاكلة قصور القسطنطينية، وتقع هذه العمائر الجميلة فى جزيرة المنار القديمة، وقام دروفتى (القنصل الفرنسي) باصطحابى أنا والقبطان لينورمان إلى القصر لتقديمنا إلى الباشا فى حنطور يجره حصانان مطهمان انطلقا بسهولة عجيبة وسط شوارع الإسكندرية الضيقة والمتعرجة بفضل مهارة السايس الكبيرة، كما ارتدى رفاقى أبهى ملابسهم، وأخذوا يركضون خلفنا على ظهر جياد جموحة».
| والي مصر محمد علي باشا |
ويصف «شامبليون» مقابلة الباشا، يقول:
«صعدنا السلم الكبير المؤدى إلى قاعة الديوان، واجتزنا قاعة فسيحة تكتظ بالموظفين، ثم دخلنا على الفور حجرة أخرى، حيث كان يجلس محمد على فى زاويتها بين نافذتين مرتديا ثيابا بسيطة وممسكا فى يده بنرجيلة مطعمة بالماس»..
يختتم شامبليون رسالته إلى شقيقه بأنه انصرف بعد أن تناول مع الباشا القهوة بدون سكر، ويقول:
«كان هناك حوالى عشرين رجلا من حرسه وضباطه الذين يضعون ثيابا أكثر جمالا من ثيابه، وكانوا يعوضون لديه المحامين والمستشارين، وما إن دخلنا حتى صرف بإشارة العديد من كتابه ووزرائه الذين كانوا يعملون معه، ودعانا بإشارة من يده إلى الجلوس، وهكذا بدأت المحادثة بين «دروفيتى» الذى كان ينوب عنا فى الحديث، ومترجم القنصلية الذى كان يترجم ما كان يقوله الباشا من التركية إلى الفرنسية، وسأل إن كنا سنتجه بدءا إلى قمة الفرعون (هكذا كان ينادى الأتراك سفح الأهرام).. ووسط ابتسامته اللطيفة التى مافتئ يكرمنا بها، كنا نراه يلقى علينا بين الفينة والأخرى نظرات كأنها لأسد والتى أشعرتنا ولو من بعيد بالرجل الذى قضى على المماليك».
| محمد علي باشا والي مصر |
ويصف «شامبليون» محمد على باشا قائلا:
«هو قصير القامة ترتسم على ملامحه من البهجة والبشاشة ما لا ننتظر أن نجده عند رجل ينوء تحت وطأة الأمور الجسام، وتثقل كاهله الأعباء الكثيرة، ومن بين قسمات وجهه تبرز عيناه متوقدتان تتناقضان بشكل فريد مع لحيته البيضاء الطويلة المسترسلة على صدره.. استقبلنا سموه على الرحب والسعة، وسألنا عن أخبارنا وعن برنامج الرحلة، فأخبرته برغبتى فى الذهاب حتى الشلال الثانى، واستلمت من سموه الفرمانات اللازمة فمنحنى إياها فى الحال، وخصص جنديين لمرافقتنا وحمايتنا أينما ذهبنا».
وقد أحب شامبليون مصر كثيرا وشعبها فكان دائم التواصل معهم بل استمر في العيش حتى عصر محمد علي ولم يكن يخشى من غضبه لأنه كان محبوبا من المصريين بشكل كبير. ويحكى انه قد بذل كل ما في وسعه للحفاظ على الآثار المصرية القديمة من النهب، في الوقت الذي كانت المعابد القديمة تفكك وتُستخدم أحجارها لتشييد المصانع ومنها مصنع السكر، وعندما علم شامبليون بأنه تم تدمير ثلاثة عشر معبدًا من أجمل وأقدم معابد مصر ونهب كنوزها كتب مذكرة لمحمد علي باشا قال فيها:
"إنه من مصلحة مصر أن تعمل حكومة سموكم على الحفاظ الكامل على الصروح والمباني الأثرية الذي تسبب هدمها في إثارة الأسي في أوروبا كلها".
استمرت محاولات شامبليون اكتشاف الحضارة المصرية والحفاظ على الآثار وتوفير بيئة مناسبة لها لكن في نهاية عمره جاء قرار السفر إلى باريس لكن القدر لم يسمح له، فبمجرد أن خرج من مصر توفى في فجر الرابع من مارس 1832م.
