صراع القوميات.. المحلية في مواجهة الجامعة وأيهما أقوى وأبقى

طارق الشافعي
كتب
0

لا زالنا نرى بعض النداءات بدعم "القومية العربية" كأمر يجمع شمل الشعوب الناطقة باللغة العربية والتي تسكن دولاً متجاورة متلاصقة الحدود، في سبيل إزالة تلك العوائق التي تحدّ بين إتصال تلك الدول بعضها ببعض تجاريا وثقافيا وحضاريا. وقد دعى إلى ذلك عدد من المثقفين العرب والكُتّاب والشعراء الذين رددوا أن "بلاد العُرب أوطاني وكل العُرب إخواني"..! وتبنى ذلك بعض الزعماء والرؤساء لعديد من الدول، بل وتغنى بذلك عديد من المطربين والمطربات ولا زالت أغانيهم معنا باقية إلى اليوم ولعشرات السنين.


 

ولكن من ينظر إلى كل هذا لا يجد إلا وهماً! فلم يُقبل كثير من الشعوب العربية، أو الشعوب الناطقة باللغة العربية إن شئنا الدقة، على الفكرة. والتي نشأت إلى الوجود مطلع القرن العشرين، رداً على بعض القوميين الأتراك الذين حاربوا وجود الجنسيات الأخرى في الجيش العثماني قُبيل الحرب العالمية الأولى، فتلقف الإنجليز تلك الفكرة لجمع العرب عليها وتفكيك الدولة العثمانية من الداخل، أي أن الغرض كان سياسيا بحتاً! ونجد أن إستخدام فكرة القومية العربية من الشعوب نفسها كانت أيضا لأغراض سياسية، كالملك السابق فاروق الأول ملك مصر، والذي أراد منح ذاته زعامة على الحكام العرب، فدعم تأسيس الجامعة العربية عام 1946 ودعا بنفسه لمؤتمرات نظمها في القاهرة، واستضاف زعماء الدول وعاهليها في قصوره الفخمة ليؤكد على نقطة تميُّزه عليهم في ذلك الزمان. ولكن أحلامه ذهبت سُدى بعد هزيمة الجيوش العربية في نكبة فلسطين عام 1948م وعدم قدرته على إثبات تلك الزعامة بشكل عملي، إلى أن أطاح الجيش به في انقلاب عام 1952م، او ما عرف لاحقا بثورة يوليو. ومن بعده جاء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والذي أراد أن يفعل نفس الشيء من أجل بناء قوة ناعمة لمصر بين الدول العربية، وتوحيدهم من أجل المواجهة مع العدو الاسرائيلي المحتل، ولكن عندما نزل الصراع على أرض الواقع  من خلال فشله في الوحدة مع سوريا عام 1962 كما فشلت قواته في مهمتها بأرض اليمن والتي كانت سببا رئيسيا في اضعافها خلال حروب عام 1967 دون أي رد فعل عربي سريع وحاسم، فتبخرت ايضا تلك الأحلام.



ولعل السبب الحقيقي على عدم إقبال شعوب المنطقة على فكرة القومية العربية، هو أن تلك الشعوب أغلبهم ليسو عرباً، هم فقط يتكلمون العربية، ويُقبلون على قوميات بلادهم المحلية وعليها يجتمعون، ومنهم من احتفظ بلغته الأصلية إلى جانب العربية كلغة رسمية، أو يسعى إلى إحيائها من جديد، ويعتز بلهجته العامية ويراها أفضل من الفصحى وأقدر على التعبير. فإن كان ولابد أن يتجمع كل هذه الشعوب على قومية واحدة فلتكن "القومية الإسلامية"، لا "العربية"، والتي جمعتهم من قبل في عصور ماضية، وحتى في النزع الأخير من الدولة العثمانية نرى السلطان عبد الحميد الثاني يتمسك بها حفاظا على البقية الباقية من دولته، في مواجهة القوميين الاتراك الذين نجحوا في الإطاحة به عام 1909م. ولكننا هنا نواجه مشكلة أخرى، إن شعوب المنطقة تضم الكثير من الأقليات غير المسلمة، فنجد التمسك بالقومية الدينية يخلق نوعا من "النار تحت الرماد"! وهذا ما لا يدفع أي زعيم سياسي إلى تبنيها أو جمع الشعوب عليها من جديد. 

 




وبعد زوال حقبة الستينات والسبعينات بما كانت تحمل من الدعاية للقومية العربية، نجد أغلب أولئك الزعماء مالوا إلى تبنى القوميات المحلية، أيضا، سواء لأغراض سياسية أو لبناء شعبيتهم بين شعوبهم، وقد لاقت فكرة القوميات المحلية شيوعا كبيرا، نراه بشكل مكثف في وسائل التواصل الإجتماعي، والتي أتاحت تواصل الشعوب العربية بشكل كبير وبمنتهى السهولة، وأيضا في مباريات كرة القدم، ورغم رفض البعض لفكرة القوميات المحلية ندائهم بضرورة وجود قومية جامعة، ألا إن أحدا منهم لا يُقدم حلاً مقبولاً لمشكلة غير المسلمين، لتصير الفكرة القومية العربية حبيسة مواقع التواصل فقط، وقد لا تخرج لحيز الواقع في المستقبل القريب.

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)