شخصية سعد باشا زغلول من خلال قراءة بسيطة في مراحل حياته

طارق الشافعي
كتب
0

تشكلت شخصية سعد باشا زغلول على مدار اكثر من ثلاثين عاما قبل بداية حوادث ثورة الشعب عام 1919 وتغيرت مفاهيمه خلالها أكثر من مرة، فنراه في مقتبل حياته شابا قرويا نزل الى القاهرة للدارسة في الازهر، يرتدي الجبة والعمة والقفطان شأنه شأن جُل الأزهريين ويُنادى بالشيخ سعد. ولكن عندما جلس قُبالة الشيخ جمال الدين، ذلك الثائر المستنير القادم من بلاد الأفغان، وزامل تلميذه النجيب الامام محمد عبده،تفتح ذهنه على الفكر التنويري، بدأ يسمع عن الحريات ويتصادم ذهنيا مع ثقافات لم يسمع عنها من قبل. فاستوعبها ذهنه عن حب، وتلفت يبحث عنها في وطن وقع بين براثن حاكم ورث الديكتاتورية أبا عن جد، واحتلال يشل اطراف البلاد في طولها وعرضها. 

 

سعد باشا زغلول
سعد باشا زغلول

ونتج عن هذا ان انفعل وجدان هذا الشاب مع الاحداث العُرابية وتفاعل معها، وبسببها فقد عمله وبدأ يشق طريقه من جديد في مجال آخر. ثم تفاعل مرة اخرى مع الفكر التنويري في صالون الأميرة نازلي فاضل، فتعرف على مصطفى باشا فهمي رجل الدول الميال للتعايش مع السلطة البريطانية، تعلم سعد منه الاقتراب من الشخصيات البريطانية ومهادنتهم للحصول على ماتريد، فتعرف لاحقا على اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر، لدرجة انه وجد فيه مبتغاه في الشخصيات المصرية التي طالما بحث عنها في رجال الحركة الوطنية ولم يجدهم، لدرجة انه اثنى عليه في حفل وداعه عام 1907 وذكره في مذكراته انه من الشخصيات التنويريه الجيدة. وبقربه من مصطفى باشا فهمي خطا على عتبات الصفوة، وتزوج من ابنة الأكابر "صفية" فهمي (والتي صارت فيما بعد أم المصريين صفية هانم زغلول) واصبح سعد "باشا" زغلول، المُستشار بمحكمة الاستئناف المرشح لشغل منصب الوزارة.

 

سعد باشا زغلول
سعد باشا زغلول وزوجته

وخلال فترة توليه لوزارة المعارف عام 1906 ومن بعدها وزارة العدل عام 1910، لم يُلاحظ عليه صدامه مع سلطات الاحتلال، ولا مراجعته لأي من قراراتها، اللهم إلا تمسكه باللغة العربية في مقررات التعليم، والتي قال انها (لغة القرآن) ولن يقبل المصريون ان يتعاملوا بغيرها، فترك الانجليز الفكرة كى لا يستفزون المزيد من المواطنين بعد حادثة دنشواي وماتركته من اثر موجع في القلب المصري بصفة عامة، والغليان الذي سببته في الشارع المصري بصفة خاصة.

 

سعد باشا زغلول

سعد باشا زغلول
سعد باشا زغلول

وعلى اثر خلاف سياسي مع الخديوي عباس حلمي استقال سعد باشا من الوزارة، وقرر ان يبدأ نضاله السياسي في البرلمان، مختلفا بذلك مع رجال الحركة الوطنية من الحزب الوطني، فإذا كانت القنوات الشرعية موجودة، فلم الصدام إذن؟ وترشح عن عدة دوائر في القاهرة وصار وكيلا للمجلس، فنائب الرئيس، الى ان حل الانجليز المجلس وتم الغاء الدستور من ضمن اجراءات الاحكام العرفية التي واكبت بدايات الحرب العالمية الاولى عام 1914م فوجد سعد باشا ان المهادنة لم تعد تفيد، والقربى من الاعداء كانت خطأً من البداية، فمهما تظاهر عدوك بمحبتك، فلن تستطيع ان تأخذ منه الا ما يتركه لك من فتات، ولا يرتقى ذهنك الى ماوراء ذلك أبدا. وهنا بدأت المرحلة الأهم في حياة سعد باشا.. الصدام مع السلطات ومواجهتها بكل قوة. 



وخلال فترة حوادث ثورة الشعب المجيدة عام 1919 وما واكبها من نفي لمالطة ثم سيشل، كان الشعب درعا واقيا لسعد ومن معه، فأدرك اخيرا انه لن يحصل على مايريد الا بالتفاف الشعب حوله! اولئك البسطاء الذين كانت انتفاضتهم حمية لشخص قد لا يعرفه اغلبهم، ولكنها الحميّة حميّة التراكمات التي سبقت ذلك منذ وطأ الانجليز ببياداتهم ارض هذا الوطن. ومن هنا كانت "زعامته" التي لا يختلف عليها حتى خصومه، فنجده يرفض التعامل مع لجنة ميلنر وتصريح 28 فبراير احادي الجانب من السلطات البريطانية، ويرفض عجرفة السلطان فؤاد والدستور الذي قرر ان يفرضه على الامة ليحفظ مكانته وصلاحياته الموروثه، ولكن في النهاية يُدرك سعد باشا بعقيلة السياسي المخضرم (كان وقتها قد تخطى الستون عاما) أن مالا يُدرك كله لا يُترك كله، فنجده لاحقا يتعامل مع الدستور الذي رفضه، ويشكل وزارة الشعب عام 1924 طبقا لبنود ذلك الدستور، ويلقي ببيان الأمة بين يدي الملك الذي طالما اختلف معه من قبل، على أمل ان ينجح الضغط الشعبي يوما للحصول على الاستقلال الحقيقي غير المشروط، ويتم تحجيم صلاحيات الملك وكف يده عن التدخل في الحكم، ولكن بعد أن يصطدم الصدام الاخير مه هذا وذاك ينهى حياته على فراش المرض ويترك لنا كلمته الخالدة: مافيش فايدة! والتي يؤكد البعض انها فقدان للأمل في انصلاح الاحوالي السياسية للمصريين يوما ما.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)