ظهر التناقض جلياً بين مذكرات الملك فاروق التي كتبها في المنفى، بعد الاطاحة به عام 1952 وبين شهادات معاصريه، حيث سعى الملك السابق ان يصور شخصه في صورة "الملك المظلوم" والوطني الزاهد، بينما كشف المعاصرون عن جوانب عديدة في شخصيته، تتعلق بضعف الإرادة، وتدخل الحاشية، والتخبط السياسي.
1. الشخصية والسلوك الشخصي
رواية الملك: نفى الملك فاروق في مذكراته الانغماس في حياة اللذة، مؤكداً أنه لم يشرب الخمر قط، وأن الشائعات حول علاقاته بالنساء كانت "ترويجاً من أشخاص يعانون من عطش جنسي".
رواية المعاصرين: رغم تأييده، كشف كريم ثابت في مذكراته ("فاروق كما عرفته" و"عشر سنوات مع فاروق") عن تحولات شخصية الملك، واصفاً إياه بـ "ملك النهاية" الذي تسبب بأسلوبه في قيادة العرش نحو الهاوية. كما أشارت المصادر إلى أن إخلاص حاشيته كان "مسرحياً" وأن الملك كان يعيش في إحباط داخلي رغم مظاهر الملكية المطلقة.
2. أسلوب الحكم ومعالجة الأزمات
رواية الملك: ادعى الملك فاروق أنه كان "يؤثر الصمت صبراً من أجل العرش" ويتحمل اللوم المرير، معتبراً كل رجل في البلاط عدواً محتملاً وكل مستند فخاً.
رواية المعارضين (النحاس باشا): تميزت علاقة مصطفى النحاس بالملك بالصدام المستمر؛ ففي حين كان فاروق يرى نفسه حامياً للوطن، كان النحاس يراه مهدداً للدستور وللحياة النيابية. النحاس عارض محاولات الملك لإضفاء صبغة دينية على حكمه (مثل رفض تنصيبه ملكا في الأزهر بدعاء خاص)، معتبراً ذلك خروجاً عن تقاليد الدولة المدنية.
3. المسؤولية عن الأزمات السياسية
المسؤولية المباشرة: تظهر أغلب الكتابات الصادرة بعد العهد الملكي أن الملك فاروق لم يكن "ملاكاً"، بل تسببت تدخلاته في شؤون الحكم وتفضيله لحاشية معينة (مثل كريم ثابت نفسه) في عزل القصر عن القوى السياسية الحقيقية مثل حزب الوفد.
أما عن الموقف من الجيش والضباط الأحرار، ففي مذكراته، هاجم فاروق الضباط ووصف محمد نجيب بالديكتاتور، بينما رأت القوى المعارضة أن فساد الإدارة الملكية هو ما أدى حتماً إلى "انقلاب يوليو" أو ما سمى لاحقا بالثورة. أيضاً قدم الملك فاروق رؤية حادة ومثيرة للجدل عن شخص اللواء محمد نجيب، اتسمت بمزيج من التشكيك في قدراته القيادية والهجوم الشخصي العنيف، وهي رؤية تتأرجح بين المعرفة المسبقة بمكانة نجيب العسكرية وبين الخطاب الدفاعي لملك اطاح به الجيش من السلطة.
مثلا وصف الملك فاروق، الرئيس محمد نجيب بأنه مجرد "دُمية" أو "واجهة" أو "ستار" لآخرين يحركونه عن بُعد، معتبراً إياه شخصاً يفتقر إلى القوة الحقيقية للسيطرة على الضباط الأصغر منه سناً. كما انتقد فاروق تديُّن نجيب، زاعماً أنه كان "يتظاهر بالصلاة أمام الكاميرات" لكسب تعاطف الشعب، وهو ما وصفه فاروق بأنه سلوك لم يكن ليفعله هو حتى لو كان سيعيد له ملكه، متناسيا انه شخصيا، أثناء ما كان فيه السلطة، له العديد من الصور ظهر فيها يجلس بخشوع في المساجد، غير منتبها للكاميرات او لا ينظر لعدسات المصورين، تعبث انامله بمسبحته اليُسر، أو يستمع لتلاوة أحد المقرئين ليلة النصف من شعبان. كما وصف الملك السابق، الرئيس نجيب في بعض فصول مذكراته بأنه "الديكتاتور الذي يسعى للسلطة" مع إنكاره ذلك في العلن. متناسيا أن من قيل عنه انه دُميه يحركها آخرون، أو رجل مدفوع من الخلف، لا ينسجم ذلك أبدا مع وصفه بالديكتاتور.
وتقول بعض التقارير ان محمد نجيب لم يكن غريباً تماماً على الملك؛ فقد كان نجيب ضابطاً سابقا في الحرس الملكي، قدم استقالته للملك شخصيا احتجاجاً على حادث 4 فبراير 1942 (حصار الدبابات البريطانية لعابدين)، تعبيراً عن ولائه للملك وعجزه عن حمايته إياه، وهي الواقعة التي قدرها القصر حينها ورفض الاستقالة بامتنان، كما كان نجيب ضابطا كفئا، برغم الهزيمة أبلى بلاءا حسناً في حرب فلسطين، ولذلك فهو يحظى بشعبيه بين الضباط أهلته للفوز بانتخابات نادي الضباط عام 1951 وتحدي الإرادة الملكية بتعيين أحد الضباط الموالين للعرش لرئاسة النادي بدلا من نجيب. الحادثة التي اعتبرها البعض إحدى مؤشرات أو بوادر نجاح انقلاب الجيش في العام التالي. ورغم تلك المعرفة، غلب على كتابات فاروق في المنفى نبرة "الملك المخلوع" الذي يحاول تبرئة نفسه عبر شيطنة خصومه؛ فاعتبر نجيب "خائناً" ليمين الولاء الذي أقسمه له.
أيضاً نظر الملك فاروق إلى فترة حكم الضباط (قبل انفراد ناصر بالسلطة عام 1954) نظرة تشاؤمية، واصفاً إياها بالتخبط. حيث كرر فاروق مقولته الشهيرة لنجيب عند الوداع: "ليس من السهل حكم مصر". وفي مذكراته، اعتبر أن الضباط سيواجهون أزمات تفوق قدراتهم، وأنهم أدخلوا البلاد في نفق مظلم من الصراعات الداخلية. كما زعم فاروق في مذكراته أنه كان "يشعر بالقلق على حياة نجيب"، متوقعاً أن الضباط الذين دفعوا به للواجهة سينقلبون عليه بمجرد انتهاء حاجتهم إليه، وهو ما حدث فعلياً في أزمة مارس 1954. ايضا شكك الملك السابق في فاعلية سياساتهم المبكرة (مثل الإصلاح الزراعي)، معتبراً إياها إجراءات دعائية لا تخدم الاقتصاد الوطني بقدر ما تخدم ترسيخ سلطتهم.
بشكل عام، اتسم خطاب فاروق تجاه نجيب والضباط بمحاولة إثبات أن "الانقلاب" لم يكن لإنقاذ مصر، اكثر منه محاولة للاستيلاء على السلطة من قِبل بعض الـ"مغامرين عسكريين".
