رجلا صنع الأحداث ام رجلا صنعته الأحداث ؟ من هو محمد حسنين هيكل؟

طارق الشافعي
كتب
0
تمثلت أسباب صعود الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل إلى قمة الهرم الصحفي والسياسي في مصر، ليكون شديد القرب من الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، في موهبته الفائقة في قراءة الاحداث و معرفة اتجاه الريح وصياغة الأيديولوجية السياسية، مما مكنه من الولوج المبكر إلى مراكز القوة العسكرية. 

هيكل وعبد الناصر والسادات

ولو تفحصنا بعض النصوص القديمة، نجد ثمة تباين واضح بين رواية هيكل الشخصية للأحداث وشهادات معاصريه من السياسيين والصحفيين حول هذا الصعود، فمثلا في العصر الملكي يروي هيكل عن نفسه أنه بدأ كصحفي تحقيقات شاب ومغامر في جريدة "الإيجيبشيان جازيت" عام 1942، ثم انتقل إلى مؤسسة "أخبار اليوم" حيث برز كمراسل حربي غطى معركة العلمين وحرب فلسطين عام 1948 من بعدها. وكان يرى نفسه صحفياً يبحث عن الحقيقة ويوثق كواليس السلطة الملكية بمهنية. ولكن تشير كتابات وشهادات لمعاصرين من تلك الحقبة (مثل الصحفي محمد حماد) إلى أن هيكل نجح تماماً في "لعبة إرضاء السلطة"؛ فكانت جلّ كتاباته في مجلة "روز اليوسف" و"أخبار اليوم" تصب في خانة التفخيم والمداحة للملك فاروق والإشادة بإنجازاته ونسب النجاحات إليه ليحمي وجوده الصحفي.


وعن التقارب مع مجلس قيادة الثورة بعد 23 يوليو يقول هيكل إن علاقته بجمال عبد الناصر بدأت من خنادق حرب فلسطين عام 1948 وتوطدت تدريجياً. وعشية الثورة، كان على علم بالتحركات وعمل كـ "مستشار إعلامي" يثق فيه الضباط الأحرار. في حين يؤكد معاصرون أن هيكل كان يتحسس خطى القوة العسكرية البازغة ويراهن عليها. تواجد في منزل محمد نجيب يوم 18 يوليو 1952 لمعرفة اتجاه الريح. بينما يروي منتقدوه أنه في اللحظات الأولى لم يكن يثق في نجاح حركة الجيش؛ إذ يقال إنه اقترح على عبد الناصر قبل الثورة مجرد إرسال 200 ضابط لتسجيل أسمائهم في سجل التشريفات الملكية للاحتجاج، لكنه بمجرد نجاح الثورة ألقى بكل أوراقه في سلتها. 

وعن الصعود كـ "رجل ثانٍ" في عهد جمال عبد الناصر يصف هيكل العلاقة مع الرئيس بأنها كانت "شراكة فكرية" وتوأمة روحية مع ناصر. وكان يرى نفسه صياغةً وصوتاً لـ "القومية العربية" ومشروع مصر الوطني. في حين أجمع معاصروه تقريبا على أن هيكل كان المدني الوحيد الذي اخترق الدائرة العسكرية الضيقة للثورة. وقد تسبب صعوده في عديد من الازمات ، مثلا أزمة مارس 1954 والتي ساعدته قراءته للمشهد على الانحياز لجمال عبد الناصر ضد محمد نجيب، وصاغ عديد من المقالات التي شحنت الشارع لصالح جمال ضد نجيب. حتى تحول الى محرر للخطابات الرسمية لعبد الناصر الذي صاغ له كتاب "فلسفة الثورة". ثم استخدم ذكاءه في جعل السياسي يخدم الصحفي؛ فجعل من جريدة "الأهرام" إمبراطورية دولة داخل الدولة. 


وعن التحالف ثم التصادم مع أنور السادات، يروي هيكل أنه دعم السادات بعد وفاة عبد الناصر لتثبيت أركان الدولة ومنع الفوضى. ويرى أن الخلاف بدأ بعد حرب أكتوبر 1973 بسبب انفراد السادات بالقرار، وتوجهه الكامل نحو المظلة الأمريكية وسياسة الانفتاح الاقتصادي وتفكيك الإرث الناصري. ولكن تكشف مذكرات الساسة (مثل جيهان السادات وكتابات حازم عوض) عن أبعاد أكثر براغماتية وعمقاً، حيث أن تحالف هيكل مع السادات لم يكن حباً فيه، بل لتصفية حساباته القديمة مع "مراكز القوى" والاتحاد الاشتراكي (جناح علي صبري). وكان هيكل هو العقل المدبر وراء "ثورة التصحيح" في مايو 1971. أيضا تشير الشهادات إلى أن السادات كان يحسد هيكل سابقاً على قربه من عبد الناصر، وعندما تولى الحكم شعر منه بالفوقية والتعالي، والذي كان يعامل السادات كـ "رجل من الصف الثاني" أيام عبد الناصر ويريد أن يكون "شريكاً في الحكم" لا مجرد تابع. وعليه، انتهى هذا الصراع النفسي والسياسي بقول السادات لهيكل في مواجهة مباشرة: "تفتكر إن الناس في مصر هيفضلوا يقرأوا لصحفي واحد؟"، مما أدى لإقصائه من الأهرام عام 1974، وتصاعد الأمر حتى اعتقاله في سبتمبر 1981 للمرة الأولى والاخيرة في تاريخ هيكل. 

وفي عهد مبارك عاش هيكل صحفيا على الهامش، وجد لديه كنز هائل من الاوراق والصور والتسجيلات الصوتيه، التي مكنته لاصدار عديد من الكتب السياسيه التي تؤرخ لفترة هامة من تاريخ مصر الحديث ومن واحد من افراد المطبخ السياسي. ولكن ايضا يؤكد بعض المعاصرين، انه يروي الاحداث من وجهة نظره مما يخرج بها عن كونها شهادة للتاريخ، مما يجعل شهادته اقرب للاستئناس منها للاسترشاد كمؤرخ معاصر للحدث.
الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)