إمبراطور الليل إبراهيم الغربي أشهر قواد عرفته ليالي القاهرة

طارق الشافعي
كتب
0

في مجتمع القاهرة السري برزت عدد من الشخصيات التي كانت مثار جدال واسع على صفحات الجرائد لفترة طويلة، منها شخصية من أغرب الشخصيات التي قد تقابلها طيلة حياتك، إبراهيم الغربي أو امبراطور الليل، والذي كان أشهر "قواد" عرفته القاهرة، إذ لم يأتي بعده من يُضارعه في شهرته وسطوته وجبروته! روى عنه الچنرال توماس راسيل (باشا) حكمدار بوليس العاصمة في مذكراته والشيخ الأديب يونس القاضي، مؤلف النشيد الوطني المصري، في بعض مقالاته.


أحد أوكار الدعارة بشارع كلوت بك قديما

في إحدى قرى مدينة أسوان، ولأسرة من البدو تعمل في تجارة الرقيق وُلد إبراهيم الغربي في عام غير محدد، ولكنه عموما قبل عام 1870م، وكان يسافر مع القوافل إلى السودان لاستجلاب الرقيق وبيعهم في انحاء مصر، إلى أن تم إنهاء الرق تماما فانقطع مورد كبير من موارد دخل الأسرة. وكان سببا في خلاف بين ابراهيم ووالده، والذي قرر بموجبه ان يقتل ابنه! فلجأ ابراهيم لحماية الضابط قائد حامية كورسكو، والذي أواه ووفر له الحماية من والده، فحفظ ابراهيم الجميل للضابط وقرر افتتاح بيت للدعارة للترفيه عن الجنود، ولكن بعد أن طار الخبر للقيادة العامة في القاهرة صدر أمر باعتقال الغربي واغلاق النشاط، فهرب الغربي على المنيا ومنها إلى القاهرة، بعد ان سرق بعض الأموال من والده عام 1890م.


وفي القاهرة، افتتح الغربي مقهى في شارع درب الجماميز، وبدأ منها أول نشاطه في الدعارة، وشيئا فشيئا توسع النشاط وصار المقهى كازينو في شارع وابور المياة ببولاق الدكرور، ومنه يدير الغربي سته بيوت للدعارة تعمل بهن سبعه وعشرين فتاة، وفي عام 1897م مات والد ابراهيم الغربي في أسوان، وورث عنه عشرة آلاف جنيه مصري وثمانية أفدنة، ومن ثَم قرر الغربي أن يوسع نشاطه في مجال البغاء، فزاد عدد بيوت الدعارة التي يديرها إلى اثنى عشر بيتا وافتتح كازينو آخر في شارع محمد علي وآخر في شارع عماد الدين اتخده مقرا له.


 

ولم يكن نشاط الدعارة ممنوعا في تلك الأيام، فلم يقع الغربي وكتيبته الشيطانية تحت طائلة القانون، وكان مُنتظما في دفع الضرائب وتجديد رُخص الفتيات أولا بأول، وتدعيم شبكة علاقاته بشخصيات كبيرة في البوليس المصري لحماية نشاطه وأمواله. في بدايه الأمر اعتمد الغربي على بعض الجواري اللاتي تم تحريرهن من الرق، ثم لجأ لتشكيل عصابي يختطف لحسابه بعض البنات القُصر ويحولهن الى بغايا طبقا لاسلوب معروف ومتبع في تلك الأيام. وبحلول عام 1920 كان إبراهيم الغربي يمتلك اكثر من 50 بيتًا للدعارة، ويستخدم فيهم نسوة أجنبيات يستقدمهن من شرق أوروبا وتركيا واليونان للعمل لديه.

 

وكان ابراهيم الغربي يدير بنفسه شبكه الدعارة الكبيرة، التي اصبحت تسيطر على القاهرة وضواحيها، بل ويرسل احيانا للاسكندرية والمنصورة ومدن القناة بالطلب لكبار الشخصيات هناك، من الأعيان أو حكمدارات الجيش الانجليزي. وكان يتحكم في الفتيات عن طريق كمبيالات أو إيصالات أمانه، ويمنعهن من أخذ أية أموال من الزبائن. وكان أكلهن يقتصر على الجُبن القريش والمش والخبز الجاف فقط لا غير، وملابس أغلبهن مُمزقة مُهلهلة. وكان يُعامل الجميع بقسوة. يجلس ليقضي بينهن على عرش مفروش بجلد الغزال والفهود، وكان الغربي يحكم هؤلاء بالحديد والنار، وحكمه نافذا أيًا ما كانت قسوته، فلم تجرؤ إحداهن على كسر قوانينه أو عصيان أوامره، حتى تم القبض عليه عام 1926م.


مجتمع القاهرة "الليلي"

وكان أول مسمار في نعش "إمبراطورية الغربي" عندما قدمت فتاة قاصر بلاغ بأنها تعرضت للإغتصاب، بعد أن غررت بها امرأة بدعوى أنها ستزوجها لإبنها، ثم اصطحبتها لمنزلها وخدرتها لتستيقظ وتكتشف أنها قد فقدت عُذريتها! وبمطابقة الأحداث مع أحداث مشابهه سابقة، أمرت النيابة العامة بفتح تحقيقا موسعا لم يستطع الغربي بعلاقاته أن يقف في مواجهته. إذ أثمر التحقيق عن الإيقاع بشبكة كبيرة، واعتقال نائب حكمدار بوليس العاصمة وكان يونانيا اسمه فيليبس، كان من أكبر مؤيدي الغربي الذين يولونه بالحماية مقابل أموالا كثيرة. وبعد تحقيقات طويلة ومطاردات تم الإيقاع بإبراهيم الغربي، وادانته وتقديمه للمحاكمة. وترافع عنه عدد هائل من المحامين، ولكن هذا لم يمنع هيئة المحكمة من إصدار حُكمها النهائي على ابراهيم الغربي بالسجن لمدة خمس سنوات. ولم يتحمل الغربي ذلك العقاب، إذ مات كمداً في محبسه بعد وقت وجيز.

 


وترك الغربي ثروة ضخمة، من بينها أكثر من خمسين بيتًا، ومجوهرات وحلى ذهبية باعداد كبيرة لا تُقدر بمال، منها تاج من الذهب الخالص المرصع بالجواهر يزن لأكثر من ثلاثة كيلو جرامات، وبعض الأساور الماسية والخلاخيل، بالإضافة إلى أثاث قدر ثمنه بـ 50 ألف جنيه عام 1926، وهو مبلغ ضخم جدا وقتها. غير انه كان يمتلك 54 بيتًا للدعارة واربعة كازينوهات، ويعمل لديه أكثر من 400 فتاة متعددة الجنسيات. ولم يتزوج إبراهيم الغربي رغم ثروته المهولة، وعمله مع مئات الفتيات الجميلات، واتفق كل من عاصروه على حقيقة أنه كان يرتدي ملابس نسائيه ويتعامل بها مع الجميع بشكل طبيعي، حيث وصفه السير توماس راسيل اثناء القبض عليه أنه كان يرتدي ملايه لف وفستان قصير مكشوف الأذرع والساقين، ويضع المساحيق الملونه على شفتيه وخديه وعينيه بشكل يثير الغثيان (هكذا بنصه!) ويرتدي عشرات الاساور الذهبيه في ذراعيه، وسلسلة سميكة من الذهب بها 45 جنيه انجليزي، وخلخالا ذهبيا مرصعا بفصوص الماس الحر في كاحليه. وقد أكد تلك المعلومة كل من تعامل مع الغربي أو رآه، حيث وصفه أيضا الشيخ محمد يونس القاضي، فقال أنه حبشي داكن البشرة، ذو صوت رخو، وكلامه مائع، ويلبس كالنساء، وكان يشاهده ذاهبًا لأقسام الشرطة مرتديا الملاءة اللف الحريرية!.. كما أن الصورة التي تُوثق شكله تُظهره وقد ارتدى ملابس نسائية والكثير من الحليّ والذهب، مما دفع بالقول أنه كان شاذاً، ولكن لا هذه معلومة لم يؤكدها أحدهم أو ينفيها، ولكن المعروف أنه لم يتزوج، ولجأ إلى تبنى طفلين، وكان يُنفق عليهما بسخاء حتى أتما تعليمهما وتوظفا بالحكومة المصرية.


ابراهيم الغربي طبقا لصورة نادرة توثيقية

وبعد وفاته، تصارع على ميراث الغربي ابناه بالتبني مع أخيه غير الشقيق، ولكن حكمت المحكمة في النهاية لأخيه. وبذلك انتهت أسطورة إبراهيم الغربي إمبراطور الليل، أشهر من عرفه مجتمع القاهرة السري أو عالم الليل في القاهرة، ولم يظهر بعده من يجاريه في سطوته ولا نفوذه ولا علاقاته بكبار الشخصيات، ولكن انقسم نشاط الدعارة في القاهرة على عديد من الأشخاص كلٌ في مكانه، حتى تم تجريمه بالقانون الصادر عام 1946م.


توماس راسيل حكمدار بوليس العاصمة

أما عن توماس راسيل، فهو ايرلندي أتى إلى مصر عام 1902 وقضى فيها 44 عاما متنقلا بين مدينة وأخرى، ومترقيا من منصب إلى منصب حتى صار حكمدارا لبوليس القاهرة في مارس عام 1918 وحتى عام 1946م، ليتابع عن قرب تطور الجريمة في مصر عبر العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، وهي فترة مهمة تبدلت خلالها أحوال المجتمع المصري، وتغيرت سماته عدة مرات. كتب مذكراته ونشرها في لندن عام 1948م وترجمت لعدة لغات. 

 



الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)