كان بطرس غالي باشا ناظراً لنظار مصر (رئيس وزراء) مطلع القرن العشرين، وكان في نظر الجميع خائن ومعاون للإحتلال الإنجليزي ضد بلاده، منذ أن كان ناظراً الحقانية (وزير العدل) والذي عُيِّن قاضياً في حادثة دنشواي عام 1906م وقضى بإعدام 4 مصريين وسجن وجلد الآخرين من أهالي دنشواي، وكذك أعاد العمل بقانون المطبوعات لتشديد الرقابة على الصحافة عقب الحادث.
| بطرس غالي (باشا) |
كذلك كان غالي من أبرز الداعمين لاتفاق الحكم الثنائي على السودان (والذي وقعه بيده كناظرٍ للخارجية عام 1899 بعد حملة كتشنر لاستعادة السودان -والتي موّلتها خزانة مصر بالكامل- وجاء فيها تركيز كافة السلطات بيد الحاكم الإنجليزي، ويتم عزله وتعيينه بموافقة بريطانيا، وعدم سريان التشريعات المصرية في السودان، ومشروع قانون تمديد إمتياز قناة السويس أربعين عاما أخرى (بعد انتهائه عام 1968) مقابل مبلغٍ من المال تدفعه الشركة الفرنسية صاحبة الامتياز إلى الحكومة المصرية على أربعة أقساطٍ إلى جانب نسبةٍ من الأرباح.
طالبت الحركة الوطنية بعرض مشروع القانون على الجمعية العمومية، وقام الحزب الوطني ورئيسه محمد فريد -الذي استطاع الحصول على نسخةٍ من المشروع ونشرها في صحيفة «اللواء»- بحملةٍ لحشد المصريين ضد القانون لإحراج حكومة بطرس غالي. إلى أن وافق الخديوي عباس حلمي الثاني على عرض المشروع على الجمعية، وحُدّد يوم 10 فبراير 1910م لعقد جلسةٍ لمناقشته. في تلك الجلسة حضر شاب يدعى إبراهيم ناصف الورداني ورأى دفاع غالي عن المشروع، وتأثر بالمناقشات وخرج عازماً على وضع حدٍّ لحياة بطرس غالي.
| البطل ابراهيم ناصف الورداني |
وبالفعل قام إبراهيم الورداني بعد عشرة أيامٍ باغتيال بطرس غالي أمام وزارة الخارجية. وكان الورداني شاباً في الرابعة والعشرين من عمره، درس الصيدلة في سويسرا، لعامين بدءاً، ثم سافر إلى إنجلترا فقضى بها عاماً آخر حصل خلاله على شهادة في الكيمياء وعاد إلى مصر في يناير 1909م ليعمل صيدلانياً وكان عضواً في الحزب الوطني. وفي الواحدة ظهيرة يوم 20 فبراير عام 1910 حيث أطلق عليه ست رصاصاتٍ أصابت ثنتان منها رقبته.
وكان اغتيال بطرس غالي أول جريمة اغتيال سياسية في مصر منذ أن اغتال سليمان الحلبي الجنرال كليبر خليفة نابليون في قيادة الحملة الفرنسية عام 1800م، وقد اثر ذلك على التعبئة الشعبية الرافضة لمد امتياز مشروع قناة السويس والنظر فيه من قبل الجمعية العمومية والتي رفضته لاحقا. وأمام النيابة اعترف الورداني بشجاعة انه قتل بطرس غالي لأنه «خائن للوطن»، وأنه غير نادم على فعلته، وأصر على أقواله تلك في المحكمة، واعترف بتخطيط وتنفيذ الاغتيال بنفسه وبمفرده. وكانت تلك الحادثة سبباً في إنشاء مكتب "القلم السياسي" في البوليس المصري بغرض تعقب السياسيين وذوي الاتجاهات الوطنية، وعُيّن أول رئيسٍ له «فليبدس بك» وهو يوناني متمصّر عرف عنه الفساد، إذ سجن بعد ذلك خمسةَ أعوامٍ لجرائم تتعلق بالفساد والرشوة.
