تحذير: التدوينة تناقش موضوع حساس لا يفضل الاطلاع عليه لمن هم اقل من 18 عاما 🔞 لذا وجب التنويه..
ونكمل حديثنا ما بدأناه في التدوينة السابقة عن تاريخ البغاء في مصر، لم يختلف الامر كثيرا في حيث لم يروي أيا من المؤرخين عن منع البغاء او محاربة البغاه صراحة في العصور الاسلامية رغم تحريم الديانة للبغاء والدعارة بكافة صورها واشكالها.
بيوت "الخواطي" في حماية الخليفة والسلطان
يروي المقريزي نقلا عن بن زولاق انه في العصر الفاطمي في عهد الخليفة العزيز بالله بن المعز لدين الله صدرت أولى القرارات بتحصيل ضريبة من بيوت “الزواني” (هذا هو الاسم الذي ورد بالقرار) وكذلك تحديد قيمة هذه الضريبة، والتي اخذت في الزيادة من بعده، وهذا في مقابل توفير الحماية لهم من الشرطة، ونفهم من هذا ضمنيا أن الأمر كان معهوداً في العصور السابقه ولكن لم يتخذ شكلا قانونيا! فجاء الخليفة الفاطمي العزيز بالله ليضع النقاط فوق الحروف. وظل الأمر كذلك في العهد المملوكي كما يروي ابن إياس الحنفي في (بدائع الزهور ج2) عن الأسعد شرف الدين بن صاعد وزير السلطان عز الدين أيبك والذي أصدر قراراً بتحصيل ضريبة من بيوت “الخواطي” (ويبدو أنه مسمى آخر للبغاه) باسم “الحقوق السلطانية” في مقابل الإعتراف بهم وتوفير الحماية لهم من قِبل الشرطة او قوات الأمن الداخلي، فظهر نظام “ضامنات الخواطي”، وهن مجموعة من النساء يدفعن الضريبة عن اكثر من امرأه على ان تتولى هي تحصيلها او تشغيلهن بمعرفتها. وفي عهد الناصر محمد بن قلاوون صدرت لائحة تحدد اماكن معينة للبغاء وأحياء أو شوارع غير مسموح بممارسة النشاط خارجها، وذلك منعا لتضجر العامة أو شكوى الاهالي من وجود البغاة بينهم والاعتداء عليهم بين الحين والآخر. وفي عهد السلطان الاشرف شعبان تم توفير حماية شرطية لأماكن البغاه تمنع من الاعتداء عليهن. ويحكي المقريزي عن تلك الاماكن المخصصة لتجمع الغواني وبنات الخطأ (التعبير المستخدم) في “بركة الرطلي”:
” وصارت المراكب تعبر إليها من الخليج الناصري فتدور تحت البيوت وهي مشحونة بالناس فتمر هنالك للناس أحوال من اللهو يقصر عنها الوصف، وتظاهر الناس في المراكب بأنواع المنكرات من شرب المسكرات و تبرج النساء الفاجرات واختلاطهن بالرجال من غير انكار..”
(البغاء في مصر في العصر المملوكي – د. سامية علي مصيلحي)
“شيخ العرصة” يحمي بيوت البغايا
وفي العصر العثماني ازدادت الحماية التي توفرها الدولة لاماكن تجمع البغاة، فازدادت اعدادهن وازدادت ايضا الضرائب المحصلة منهن، فازدادت الحماية الامنية والممثلة في عسكر مخصص من جنود الشرطة او الأمن الداخلي يختص بحمايتهن من اعتداء الغير وخاصة المتدينين من يريدون يغيير المنكر او دفع الاذى باليد! وأيضا بملاحقة المتأخرين في دفع الضريبة. وتم تقسيم المناطق الى (عرصات) وكل منطقة تتبع جنديا أو عسكري اصطلح على تسميته اسمه “شيخ العرصة”، وهو الموكول بحماية عدد من بيوت البغايا في حوزته وتحصيل الضريبة منهم، ومنها جاءت تسمية الديوث أو من يرعى الرذيلة او الفحشاء. في حين ان كلمة (عرصة) لغويا هي الفناء أو الساحة بين الدور، قال بديع الزمان الهمذاني في وصف الشاعر إمرئ القيس:
“هُوَ أَوَّلُ مَنْ وَقَفَ بِالدِّيارِ وَعَرَصَاتِهَا، وَاغْتَدَى وَالطَّيرُ فِي وَكَنَاتِهَا، وَوَصَفَ الْخيلَ بِصِفَاِتهَا، وَلَمْ يَقُلِ الشِّعْرَ كَاسِباً. وَلَمْ يُجِدِ القَوْلَ رَاغِبًا…”
مقامات بديع الزمان – المقامة القريضية
ولم يكن هذا في القاهرة وحدها، ولكن في سائر الاقاليم، كما يروي لنا المقريزي عن وجود بعض من “ضامنات للمغاني” في بلبيس وشمال الصعيد، ومن هنا عرف ما يسمى “القوادة”، والتي لم تقتصر على النساء فقط ولكن زاحمهن أيضا الفتوات في فرض سيطرتهن على البغاه، وادارة اعمالهن طبعا بغرض الحماية. وكانت بيوت البغاء في ذلك العصر تسمى “قره خانة” وهي لفظة تركية، ولم تكن تعني بتقديم خجنة الجنس فقط، ولكنها ايضا معاقر لشرب الخمر وتقديم الحشيش والقنب. كما كانت ملاهي للتسلية تقدم المغنى والحظ والطرب لمرتاديها، الذين جاءوا ليستمتعوا برقص الجواري قبل ان يختاروا ايا منهن. كما تميز كل بيت منهم بمجموعة من الغرف محكمة الأغلاق لتسهيل ممارسة الغرض المطلوب في أمان.
وفي زمن الأحتلال الفرنسي (1798 – 1801) يروي لنا الجبرتي ان السلطات الفرنسية اصدرت قرارات بتخصيص بعض المساكن في منطقة (غيط النوبي) كمنازل للبغاء للترفيه عن عساكر الجيش، وكانت السلطات تنظم تقديم الخدمة دي مقابل أجر، وقامت بتجديد قافلة البغاه العاملين بعدد كبير من الجواري التي تم الاستيلاء عليها من قصور المماليك الهاربين بعد معركة امبابة. وقد رصدت اللوحات الفنية في كتاب وصف مصر مغازلة الفنانين الفرنسيين لهؤلاء في عديد من اللوحات الفنية.
ونستكمل حديثنا عن عصر محمد علي باشا والعصور التالية في تدوينة لاحقة ان شاء الله، فتابعونا.




