مع مطلع الألفية الجديدة، وتحديدا في عام 2003م قدم د. عكاشة الدالي، وهو عالم آثار مصري. حصل على درجة الدكتوراه من معهد الآثار بجامعة لندن، أطروحة جديدة ركزت على تاريخ علم الآثار في الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى، وذلك من خلال بحث تم عرضه بكثير من الشرائح المصورة، يتحدث عن جذور علم المصريات بين العلماء العرب أو المسلمين في القرون الوسطى الذين اهتموا بدراسة الثقافة والبيئة المصرية، مما أدى إلى استكشافهم للكتابة هيروغليفية ومحاولة الكشف عن أسرارها وذلك بفترة طويلة قبل شامبليون.
![]() |
| ابن وحشية واللغة المصرية القديمة |
يؤكد د. عكاشة الدالي أن العالم العربي ابن وحشية النبطي وهو نبطي من أهل الكوفة عاش في القرن العاشر الميلادي، وقام بوضع مؤلف باسم (شوق المستهام في معرفة رموز الاقلام)، قام فيه بفك رموز لعديد من اللغات القديمة الحية والميتة منها اللغة المصرية القديمة، والتي أطلق عليها ابن وحشية في كتابه إسم (خط الهرامسة)، وقد نُشر هذا الكتاب بتحقيق المستشرق النمساوي جوزيف همر في لندن عام 1806 أي 16 عاما قبل إكتشاف العلماء الفرنسيين للطريقة الصحيحة لقراءة اللغة المصرية القديمة، مما جعل الدكتور عكاشة يذهب إلى القول بأن شامبليون كان قد اطلع على هذه المخطوطة واستفاد منها، إلا أنه لا توجد دلائل تؤكد أو تدحض هذا الادعاء.. فهل فعلا هذا حقيقي؟
ولنقف سويا على حقيقة ذلك يجب أن نقرأ بعض ما كتبه بن وحشية في كتابه شوق المستهام، لنقف على حقيقة مراده. فمثلا لو طالعنا الصفحة التي يستعرض فيها خط الهرامسة أو الخط البرباوي كما يسمونه قديما، لوجدنا رموز قريبة الشبه بما هو معروف في الخط الهيروغليفي، منح ابن وحشية كل رمز حرف مقابل من الأبجدية العربية، وهو بذلك يُعامل اللغة المصرية القديمة كحروف أبجدية مثلها مثل اللغة العربية، كل رمز يُمثل مخرج من مخارج الحروف، وهذا أول خطأ وقع فيه ابن وحشية، لأن اللغة المصرية ليست كذلك! فهي علامات او رسوم ذات دلالات صوتية أُحادية أو ثُنائية أو ثُلاثية، ومنها علامات محدِّدة صامته لا تُنطق، فهل هذا ما كتبه ابن وحشية في كتابه؟
| صفحات من كتاب بن وحشية النبطي |
إلى جانب أن المعروض أغلبه يحمل دلالات صوتية غريبة واخرى خاطئة! فلا يوجد حرف عربي اسمه قاف مايلة، أو ظاء زائية، أو جيم مدغومة، أو زاء أعجمية، كل هذه لا مكانه لها عند اللغويين العرب، كما أنه في موضع آخر ينسب ابن وحشية بعض الحروف الغريبة للغة المصريين ويزعم أنها كانت مُستخدمه قبل الطوفان! وأنه قد حصل على تلك المعلومة من النبط والكلدانيين، ولا ندري ما علاقتهم باللغة المصرية، فماذا يقصد ابن وحشية من ذلك!؟
![]() |
| رأي بن وحشية عن بعض النقوش المصرية القديمة |
ايضا لو طالعنا ما كتبه في موضع آخر عن بعض الرسوم للالهة المصرية القديمة المُصورة كإنسان برأس حيوان، نجد إن ما كتبه بن وحشية يحمل المفهوم أو الدلاله القديمة الإجتهادية القائمة على الملاحظة دون خلفية أو دلالة علمية، كما هو واضح في الشكل التالي، وهذا ما يؤكد بُعد ابن وحشية تماما عن أيه اكتشافات تمُت للغة المصرية القديمة بصِلة، او للحضارة المصرية على وجه العموم من قريب او بعيد.
![]() |
| خطوط الحكماء والفلاسفة كما تخيلها بن وحشية |
ولنطالع معا أيضا بعض ما كتبه بن وحشية النبطي عن اللغات الأخرى، فنجد خطا منسوبا للحكيم فيثاغورث (على عهده بن وحشية) وقال عنه انه كتب به حكمته ومخطوطاته، وايضا عبارة عن أبجدية كل رمز بها له مقابله طن الحروف العربية، كما نسب ايضا عدد من الرموز الغريبة ما يعرف بقلم برج الجدي وزُحل، والذي زعم ابن وحشية ان حكماء الفرس وبابل قد دونوا به حكمتهم وظهر في كتب اسرارهم التي نهبها اليونان ثم استعلمه حكماء مصر بعد ذلك (!)
![]() |
| الخط الكوفي والخط المغربي - كتاب شوق المستهام |
ايضا عرض بن وحشية بعض الخطوط التي نسبها لأهل الأندلس والكوفيين وأهل دمشق وغيرهم، واقع الأمر أنها خطوط عربية أو "فونطات" بلغة العصر الحديث، يكتب بها أهل تلك البلاد وليست لغات مختلفة، وقد نق عنها معلومات خاطئة ولعله نقل ما سمعه من غيره بلاد تدقيق، مثل أن الخط الوفي هو أول خط تكتب به اللغة العربية، وهو من وضع اسماعيل بن ابراهيم عليه السلام، وهذا خطأ لأن الخط الكوفي (كما هو ثابت أثريا) ظهر في مدينة الكوفة في القرن الأول الهجري وهو مطور من الخط النبطي الذي كانت تكتب به العربية في شمال الجزيرة قبل الاسلام. كما إنه نسب للأكراد خطا غريبا للسانهم، لا يدعمه أي من الإكتشافات الأثرية الحديثة في منطقة كردستان العراق.
ومما عرضناه نجد أن ابن وحشية قد عامل اللغات (أي لغة من التي قيل أنه فك رموزها أو أدرك أسرارها) وكأنها شفرة، كل حرف أو رمز له ما يقابله في اللغة العربية التي يجيدها طبعا ويتكلم ويكتب بها. في حين أن اللغة ليست كذلك، فلغات العراق القديم ومصر لم تكن حروفا ابجدية، كما هو الحال في لغات الفينيقيين واليونان والفرس وغيرهم من الامم الاخرى، كما انه لمعرفة اللغة يجب معرفة الكلمة وما يقابلها مفردات وتعابير في اللغة العربية، وليس أ= كذا و ب= كذا و ج= كذا.. وهكذا، ليست هذه هي اللغة! فاللغة مفردات وضمائر وحروف جر وأزمنه ماضي ومضارع ومستقبل ومايلزمه من تصاريف افعال، واساليب مختلفة لتكوين جملة مفيدة. وهذا ما يُعرف بالقواعد النحوية التي تُساعد الأمم الأخرى على دراسة تلك اللغة واجادتها، فهل ذكر بن وحشية ذلك في كتابه؟ ومن ثَم نطرح سؤالا: ماذا كان يقصد بن وحشية او ماذا كتب في كتابه؟
وضع بن وحشية أيضا عددا من الكتب في السحر وفك الطلاسم وكتابتها لطرد الشياطين، وكان يؤمن بقدرة الأولين (الحضارات القديمة) ومنهم حكماء مصر القديمة طبعا، في كتابة تعاويذ قوية لا يستطيع أحد قراءتها أو حل طلاسمها ومن هُنا تكمن القوة الخفية في أسحارهم. ولذلك وضع هذا المؤلف اجتهادا منه لمساعدة السحرة في صياغة طلاسم قوية يكتبها بنفس الخط الذي كَتب به حكماء الفرس وبابل واليونان ومصر والكلدان والأكراد وغيرهم. مما يمنح تلك الطلاسم قوة مطلوبة، وهذا بعيد تمام البُعد عما نسبه د. عكاشة الدالي لابن وحشية النبطي.
![]() |
| صفحة من كتاب الفلاحة النبطية لابن وحشية |
ولابن وحشية النبطي أيضا مؤلفات أخرى في الزراعة واساليبها وطرقها في اقليم الانباط، وهو مؤلف شامل كتب عنه غيره واستعانوا به، كالنويري في كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب، والفيسلوف اليهودي موسى بن ميمون. أيضا بعض مؤلفات في الكيمياء ولكنها لا تُعد إضافة للعلم أو دراسة لبعض أجزاءه، ولكنها في الكيمياء القديمة التي تبحث في التفاعلات بين المعادن لتكوين الذهب من التراب وتنقية النحاس وتحضير السموم وبعض العقاقير وخلافه، ولكن دراسة د. عكاشة الدالي لم تذكر عنهم شيئا، واكتفى بالإشارة إلى مساهمات بن وحشية في علم المصريات منذ ألف عام تقريبا، والتي لم تكن تخطر ببال بن وحشية نفسه أن مؤلفه هذا سينال ذلك القدر من الاهتمام ذات يوم.
أيضا تحدث د. عكاشة الدالي في اطروحته عن دور العالم الكيميائي المعروف جابر بن حيان في قراءة اللغة المصرية القديمة، وكذلك شخصية صوفية معروفة بذي النون المصري الذي عاش في مدينة اخميم خلال العصر المملوكي، ولكن ذلك لا نجد فيه فارقا عما ذُكر عن ابن وحشية، فكلا منهما لم يقدم علما مكتوبا للاجيال القادمة لتستفيد به، لا توجد ابحاث منسوبة لابن حيان او غيره في مجال علم المصريات، وحيث انه لا تُوجد فإن أولئك العلماء، وان اجتهدوا في قراءة النصوص بالفعل، ولكنهم لم يصلوا في النهاية لعلم يُنتفع به في هذا المجال. ولعل د. عكاشة الدالي ليس الوحيد الذي يتهم شامبليون بسرقة أبحاث الغير ونسبها لنفسه، فقد عاش العالم الفرنسي المعروف حتى نهاية حياته متهما بسرقة أبحاث العالم الانجليزي توماس يونج والذي سبقه في محاولة قراءة اللغة المصرية القديمة، ولكنه توقف عند نقطة معينه ولم يكمل وجاء بعده شامبليون وبدأ من حيث انتهى وتمكن من اكتشاف الطريقة الصحيحة لقراءة اللغة المصرية القديمة، وضع شامبليون اول قاموس مصري قديم، احتوى على عديد من المفردات ومقابلها باللغة الفرنسية (لغة بلاده) كما وضع شامبليون القواعد النحوية التي تمكنك من بناء جملة مفيدة، وقد اكمل عديد من العلماء بعد ذلك على جهوده، اهمهم الإنجليزي آلان جاردنر والفرنسي ميريت (باشا) اول رئيس لمصلحة الآثار المصرية والذي اسس المتحف المصري للآثار، وهذا ما يُسمى بعلم يُنتفع به مازال يدرسه طلبة الآثار في جميع أنحاء العالم.
وختاما، نؤكد على أن هذه المقالة، أو حتى حلقتنا على يوتيوب عن نفس الموضوع، ليست أبدا للتقليل من شأن العلماء العرب أو المسلمين وإنجازاتهم في نواح عديدة من العلوم والفنون، فلا جدال على إنهم قدموا الكثير في وقت ساد الظلام والجهل أماكن عديدة في العالم، ولذلك فهم ليسو في حاجة لأن ننسب لهم إنجازات جديدة. بدلا من الجدال حول ابن وحشية وعلاقته غير الأكيدة باللغة المصرية القديمة، يمكننا الحديث عن اسهاماته في رصد اساليب الفلاحة النبطية، نفس الشيء للعالم الجليل جابر بن حيان والذي أسهم بإضافة الكثير للكيمياء الحديثة بشهادة علماء الغرب نفسهم. فلماذا ننسب اليه مساهمة قد تكون غير اكيدة او غير مكتمله في مجال علم المصريات؟


.png)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)




