قد لا تُطالع دراسة تاريخية أو منشورا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلا وتجد المعترضين الذين يتهمون الكاتب بالتزوير أو تحريف التاريخ، لا لشئ إلا إنه لا يقرأ الحدث بمفهومه القومي! فعند الحديث مثلاً عن الفتح العربي لمصر يعترض البعض على التسمية ويصر على إستخدام مصطلح «الفتح الإسلامي» وكأن الفارق بين الإثنين جوهري! وأيضا عند الحديث عن الخلافة وتاريخها وانتقالها لآل عثمان الأتراك بعد غزو السلطان سليم الأول للبلاد العربية، نجد البعض يعترض بدعوى أن الخلافة في قريش فقط ولا وجه لخلافة الأعاجم بأي حال من الأحوال. فما هي حقيقة تلك الإدعاءات من الناحية التاريخية، وكيف كانت وجهة نظر المعاصرين لتلك الأحداث أو رؤيتهم لها؟
بدأت فكرة القومية، أو الانحياز على أساس عرقي أو ثقافي أو ديني في دول الشرق الأوسط، مع دخول الأتراك بشكل عام، وارتقائهم لسُدة الحكم في بعض الدول، السلاجقة في فارس والطولونيين والإخشيد في مصر، ولاحقا المماليك البحرية والعثمانيين بشكل عام، فقد تميز الأتراك عن الشعوب العربية باللسان، وعندما تولوا القيادة تحيزوا لبني جنسهم وأعلوا من شأنه عن أهل البلد الأصليين من عراقيين وشوام ومصريين وبربر (أمازيغ) من أهل شمال إفريقية. ففي مصر نجد في كتابات المؤرخين المماليك تلك التفرقة واضحة بين ولاد الناس (ابناء الأتراك) والعامة أو ولاد العرب (أهل مصر)، وبرغم أن المصريين أغلبهم ليسوا عربا بالأساس ولكنهم يتحدثون العربية، فالتفرقة هنا باللسان لا بالعرق ولا بالدين، وهذا ما درجت عليه الشعوب في ذلك الزمان. أما من الناحية السياسية فقد شملت الخلافة الأموية ومن بعدها العباسية ومن بعدها خلافة الأتراك من بني عثمان شعوبا كثيرة، يدين معظمها بالإسلام، ولكنهم أبدا ما كانوا شعبا واحداً ولا ظلتهم راية واحدة، ورغم سهولة التجوال بين تلك الأصقاع البعيدة عن بعضها، كما نقرأ في الكتب التي تحدثت عن رحلات التجارة والسياحة، ولكن تظل اللغة والعادات بل واللهجات المحلية عائقا امام اندماج تلك الشعوب المختلفة، وما إن جاء عصر اضمحلال الخلافة حتى استقلت تلك الشعوب هذا طولوني وهذا حمداني وهذا بويهي وهذا سلجوقي.. الخ، وحتى تحت حكم العثمانيين الأتراك، يظل الشمال الافريقي بعيدا بعاداته وتقاليده ولغته المحلية عن الشرق (الشام والعراق) بحيث لا يستطيع أحدهم الحديث مع الآخر بشكل مباشر إلا طبعا لو استخدما الفصحى.
| الشيخ جمال الدين الافغاني |
ومع دخول الثقافات الأجنبية مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، بدأت الروح القومية تتولد في بعض الشعوب، ودعمتها بشكل عام أفكار الشيخ جمال الدين الافغاني منتصف القرن نفسه، والذي ورد على مصر في رحلته، يبث أفكاره بين الأزهريين في ضرورة وحدة الشعوب الإسلامية والارتقاء بها، وايجاد صيغة متفق عليها للعلاقة بين الحاكم والرعية (ما يُعرف بنظرية العقد الاجتماعي) ولكن بشكل يتماشى مع ثقافة واستجابة الشعوب الإسلامية. وظهر من تلامذته ما دعم فكر القومية الإسلامية، فمن مصر جاء الإمام محمد عبده، والزعيم مصطفى كامل من الجيل التالي، ومن الشوام محب الدين الخطيب ورشيد رضا ومحمد كرد علي، بل وأعجب السلطان عبد الحميد الثاني بالفكرة، وقرر استخدامها للرد على دعاوي القوميين الأتراك وحماية البقية الباقية من دولته الواهنة المتداعية! فتمسك بلقبه كخليفة للمسلمين قبل إن يكون السلطان، ونادى بإنشاء الجامعة الإسلاميه، وربط الشام والحجاز والأناضول بخط حديدي بدعوى نقل الحجاج الأتراك لمكه والمدينة والجنود والعتاد والسلاح ايضا! ذلك الخط الذي يتشاركون صوره بتعليق (عندما كنا أمه واحدة) متناسين ان هذا الخط الحديدي الطويل، الذي تكلف مالا كثيرا، لم يدخل حيز العمل بشكل كامل إلا سنوات قليلة معدودة، قبل ان تُنهيه تماما الثورة العربية بزعامة الشريف حسين بالحجاز.
| السلطان العثماني عبد الحميد الثاني |
فأنصار القومية الإسلامية حينما يعيدون قراءة أحداث الزمن الماضي يتناسون ان أفكارهم لم تكن موجودة في تلك الفترة بشكلها الحالي، فما نظر المصريون الأقباط لاولئك الغزاة من شبه الجزيرة العربية بارتياح منذ بداية وجودهم على الأراضي المصرية، وماتعاملوا معهم إلا بصيغة الحاكم المتغلب الذي يجب إيجاد صيغة مناسبه للتعامل معه حفاظا على دينه وبيعه وصلواته، ولم ينظر هل هم عرب ام مسلمين! أيضا لم ينظر عامة المصريين يوما بارتياح إلى حكامهم من المماليك أو العثمانيين من بعدهم، وما عاملوهم إلا بثقافة الحاكم المُتغلب! وما منعهم من الثورة عليهم إلا كونهم مسلمين، وهذا طمأنهم أن شعائرهم وصلواتهم ومساجدهم في أمان، فلا داع لصدام غير محسوب العواقب ودعونا نبحث عن لقمة العيش بسلام. وهذا ما دعاهم فيما بعد إلى القبول بخلافة العثمانيين الأتراك، بغض النظر عن كون الأمر صحيحا من الناحية الشرعية من عدمه، فقد نظر الجميع للسلطان العثماني الجالس في الآستانة على أنه خليفة المسلمين الذي تدعو بإسمه المساجد في كل جمعه.
وعندما دخل الاستعمار الأجنبي للبلاد العربية فما كان الا ان تجمع ابنائها تحت مظلة القومية المحلية لا الدينية، لأن الوطن الواحد يضم اديانا عديدة يدعي الاستعمار انه جاء لحماية حقوق الاقلية منهم، فما كان من الشعوب إلا أن تناست ذلك الفارق الجوهري وأعلنت الإتحاد، فهذا ابراهيم ناصف الورداني يقرر بنفسه أن يغتال بطرس باشا غالي بيده، كيلا تتحول قضيته إلى صراع ديني مذهبي، وتخرج عن كونها صراع وطني ضد وزير خائن اختار ان ينضم للمحتل وينصره على ابناء بلده! وفي ثورة الشعب عام 1919م تجلت الشعارات التى مازالت تحيا معنا للآن أن «الدين لله والوطن للجميع»، و«عاش الهلال مع الصليب».. الخ، تلك الشعارات التي لا تزال للآن مرفوضة رفضا قاطعا من أنصار القومية الإسلامية.
| الرئيس المصري جمال عبد الناصر من رموز القومية العربية |
أما في العصر الحديث فقد انتصرت القوميات المحلية بشكل ما على القوميات الدينية واللغوية، وذلك لأغراض سياسيه بحته، ورغبة الزعماء العرب في بناء شعبيتهم في بلادهم، بعد أن فشلوا في بناءها خارجها، بشكل جعل الإقتتال القومي بين الشعوب العربية أمرا معهودا على أغلب مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل يجعل من فكرة القومية العربية او حتى الإسلامية حلما بعيد المنال في الوقت الحالي.
