ثمة قصة شهيرة تتناقلها عديد من الصفحات الإسلامية تحت عنوان (عندما كنا..) نقلا عن ابن الاثير الجزري، أن رجلا قدم إلى الخليفة العباسي المعتصم في سامراء، وقال له:
يا أمير المؤمنين كنتُ بعمورية فرأيت امرأة عربية من بني هاشم فى السوق، مَهيبة جليلة، قادها الرومُ إلى السجن، فصاحت فى لهفة: "وامعتصماه! وامعتصماه!"..
فاستشاط المُعتصم غضبا وأرسل إلى أمير عمورية قائلا:
"من أمير المؤمنين إلى كلب الروم، أخرج المرأة من السجن وإلا أتيتك بجيش بدايته عندك ونهايته عندى!.."
ولما لم يستجب الأمير الرومى، فانطلق المعتصم بجيشه ليحاصر عمورية ويقتحمها، ليقف أمام المرأة في محبسها قائلا:
"لبَّيك يا اختاه! هاهو المُعتصم يُلبي ندائك؟.."
حصار عمورية كما يبدو في بعض المراجع البيزنطية
الرواية بطبيعة الحال تبدو أسطورية ملحمية، أقرب للخيال منها إلى الحقيقة، ولكن تكرارها على نطاق واسع على منابر المساجد، قبل كثير من صفحات التواصل الاجتماعي جعل منها حقيقة لا تقبل الجدال رغم عدم موثوقيتها التاريخية! فلو تناولنا ما كتبه المؤرخون عن غزو العباسيين لعموريه، وما سبقه وواكبه من أحداث، لوجدنا أمورا كثيرة تنفي هذه الرواية بالأساس. فمنذ قيام الدولة العباسية في بغداد منتصف القرن الثامن الميلادي، اشتد الصراع بينهم وبين البيزنطيين للسيطرة على المدن الحدودية، فقد توقفت حدود المسلمين، على عهد الامويين، عند حلب وعِنتاب ومرعش بالشمال السوري، وطرسوس غربا على ساحل المتوسط وديار بكر شمال بلاد الجزيرة الفراتية، وبعد سلسلة من المعارك انهكت القوتين، اتفقا على هدنة لعشر سنوات، اختار الخليفة المأمون أحد الهاربين البيزنطيين (توماس الصقلبي) لتأليب بعض القلاقل الداخلية في بلاط القسطنطينية، حيث كفل المعتصم لتوماس الحماية، ونصره على امبراطوره (ميخائيل الثاني) ودعمه بالمال والعتاد ليثور ضد الامبراطور ويخلعه، مقابل ان يتنازل له الصقلبي عن بعض الثغور الرومية.
معارك وحصار عمورية
ولما فشل انقلاب توماس الصقلبي وتم اعتقاله، علم ميخائيل بالمكيدة، وتيقن أن العباسيين يهددون دولته من الشرق، هذا الى جانب غزو الاندلسيين لجزيرة كريت، وغزو الأغالبه في تونس لصقلية عام 821م، وكلاهما كانا من الأراضي البيزنطية. وبعد وفاة الامبراطور ميخائيل، تولى العرش ابنه الامبراطور ثيوفيلس (توفيل في المراجع العربية)، والذي قرر ان يُزيح الهدنة جانبا ويحشد الجيوش لغزو العباسيين في بلادهم، حفاظًا على إمبراطوريته الآخذة في التآكل. وبدأ بإثارة القلاقل للداخلية في بلاد المسلمين، فدعم سرا ثورة بابک خرمدین الفارسي المتمرد على حكم الدولة العباسية، والذي كان قد انفصل بأراض تابعة للخلافة، وأسس دولة باسمه في مناطق من أذربيجان وإيران الحالية.
وفي هذه الاثناء توفي الخليفة المأمون وجاء من بعده أخيه المعتصم، الذي حاول تهدئة الأمور مع بيزنطة ليتفرغ لمحاربة المتمردين الخرمديين. وبالفعل ألحق المعتصم سلسلة من الهزائم المتولية للخرمدية واستنجد زعيمهم بابک خرمدین بالامبراطور ثيوفيلوس، فقرر الاخير توا التحرك بقواته شرقا، ولكنه لم يستطع نجدة خرمدین، الذي اندحرت قواته قبل وصول المدد البيزنطي له، وأسره العباسيون وقضوا على دولته.
هروب الجيش البيزنطي بقيادة ثيوفيلس للقسطنطينية
فلما علم ثيوفيلوس بالأمر وكان على مشارف مدينة زبطرة (حاليا جنوب غرب تركيا) وكانت من بلاد المسلمين، اقتحمها وأحرقها وقتل ذكورها وأسر نساءها وأطفالها، وتعامل مع الناس بمنتهى الوحشية. ويبدو أن قصد أن يثير الرعب في قلوب اعدائه العباسين. ولما علم المعتصم بتصرفات الروم الوحشية، قرر أن يخرج بجيشه للمواجهة والانتقام. وهذا ما نقله الطبري والمسعودي واليعقوبي، وكانوا اقرب لتلك الاحداث. ولم ترد في روايتهم أي اخبار عن سيدة تستغيث ولا خروج الجيش تلبية لندائها، فمدينة عمورية في تلك الأثناء لم تكن من أملاك المسلمين أصلا ولايعيش فيها منهم أحدا!
وخرج المعتصم بعد مرور 8 أشهر على اجتياح زبطرة على الأرجح، انتظارا لعودة جيشه من حروب خرمدين، وحتى يسيل الجليد في جبال الاناضول وتهدأ العواصف في مرتفعات آسيا الصغرى، وخرج بعدها بجيشه لقتال البيزنطيين في أبريل عام 838م. واختار ان يغزو عمورية، المدينة البيزنطية المنيعة، لعظم شانها عند الامبراطور ثيوفيلوس. فكانت كما قلنا حصنا بيزنطيا حصينا، الى جانب كونها مسقط رأس الامبراطور وابيه وجده، وبالتالي فإن غزوها سيمثل إذلالًا سياسيًا وشخصيًا لإمبراطور بيزنطة.
سفارة البيزنطيين للمعتصم (جالسا) عقب سقوط عمورية
وقد كان لفتح عمورية اثرا كبيرا في نفوس الامبراطور لأهمية المدينة كما قلنا بالنسبة له، فأرسل وفدا دبلوماسيا عام 841م يفاوض المُعتصم في الجلاء مقابل بعض الاموال، ايضا تبادل الاسرى بين الطرفين كما اشارت عديد من المصادر البيزنطية، وكانت فرصة للمعتصم ليطالب بما يزيد عن ثمانية ملايين دينار عباسي. وبعد استعادتها تم اعادة بناء المدينة من جديد مع ما تهدم من قلاع وحصون مدينة انقرة، ولكن لم تعد لها اهميتها السابقة بعد ذلك. ايضا تركت المعركة اثرا عميقا في نفوس البيزنطيين ومعتقداتهم الدينية، بعد ان مالوا الى عقيدة تحطيم الايقونات، متحدين الكنائس الشرقية في ذلك، وكانوا يبتغون بذلك مرضاة الله، فلما تحققت الهزيمة المريرة عادوا الى ما كانوا عليه. كما كان للمعركة اثرا كبيرا في الادب البيزنطي، بظهور عديد من اغنيات الرثاء والحزن لضياع عمورية، كما كتب عنها المتنبي اشهر قصائده:
السيفُ أصدقُ أنباءاً من الكتبِ ** في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
مما سبق يتبين أن غزو عمورية لم يكن فتحًا بالمعنى المفهوم ولم يكن هدفه نشر الإسلام، ولم يكن دفاعًا أو نجدة للسيدة الهاشمية المُسلمة التي صرخت! بل كان انتقامًا للدولة ولإثبات الوجود والقوة، ولأجل أتراك زبطرة أخوال المعتصم الذين كانوا يسيطرون على الدولة العباسية، والذين بسببهم حدث الانقلاب عليه، فلم يُكمل حربه على بيزنطة الضعيفة التي هلك معظم جيشها آنذاك، وانشغل بشئونه الداخلية ويكون عهد المعتصم هو نهاية عهد القوة في الدولة العباسية الكبيرة، بدأت بعدها في التفكك وانفصال الدويلات عنها. لتبقى اسطورة «وا مُعتصماه» مادة خصبة ثرية لكل من تتوق نفسه للانتصارات الإسلامية، في واقع يعاني فيه المسلمون من واقع مرير لا هروب منه الا بالعديد من الورايات والاساطير الحكايات القديمة.


.jpg)

