منذ عام 1830 حاولت فرنسا من خلال جماعة السان سيمون إقناع والي مصر محمد علي باشا بمشروع شق قناة السويس لوصل البحرين الأبيض والأحمر واختصار الرحلة في طريق التجارة العالمي، ولكن "الباشا" تحفظ على هذا المشروع واشترط أولا اتفاق الباب العالي مع القوى العظمى، ولو حدث ذلك يتم إنجاز المشروع بالكامل بأموال وأيادي مصرية، وذلك لإلزامية سيادة مصر على كامل منطقة القناة، وهو ما رفضه السان سيمونيون!
بعد ذلك تدخلت فرنسا عن طريق فردناند دليسبس عام 1854 لدى والي مصر سعيد باشا، واقنعوه بالمشروع على أن تُدار القناة بشركة عالمية، يكون لمصر فيها 51٪ من قيمة الأسهم ولكن ليس لها حق الإدارة، وجاء من بعده الخديوي إسماعيل ليؤكد على نقطة سيادة مصر على القناة في حالة الحرب، وإغلاق الملاحة بها في حاله الخطر، وكذلك قيام الجيش المصري بواجبه في حمايتها دون تدخل من أي قوىً اجنبيه. ولكن في عام 1874م تعثر الخديوي ماليا، واضطر لبيع أسهم مصر في القناة لإنجلترا، وبذلك فقدت مصر أن يكون لها أي سيطرة على ذلك الجزء الهام من أراضيها، وصارت القناة دولة داخل الدولة، لا تسري عليها القوانين المصرية في ذلك الحين!
وعقب الإحتلال البريطاني لمصر عام 1882م تمركز الجيش البريطاني في عدد من القواعد في الإسماعيلية والسويس وبورسعيد، الأمر الذي أقلق كلا من الدولة العثمانية وفرنسا، ومن ثَم كان مع القوى العظمى في الآستانه عام 1889م، والتي نصت على حرية الملاحة التجارية في قناة السويس، واعترفت بسيادة مصر على منطقة القناة، كما ألزمت الجميع بحيادية القناة واحترام سلامتها، والامتناع عن أي عمليات عسكرية فيها. وبالتالي حصلت مصر بموجبها على السيطرة "الشكلية" على قناة السويس. وقع هذه الاتفاقية (والتي عُرفت بإتفاقية القسطنطينية) كلا من إنجلترا ، وألمانيا، والنمسا، وروسيا والدولة العثمانية وإسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا..
| اتفاقية القسطنطينية 1888م |
ولكن إنجلترا بعد ذلك كدولة احتلال، استمرت في إقامة عديد من المعسكرات في منطقة القناة، والتي سكَّنت فيها مزيد من الجنود الإيرالنديين والهنود والاستراليين بشكل مستديم. فاضطر السلطان عبد الحميد الثاني أن يؤكد على سيادة بلاده على القناة من خلال ضمه لسيناء بالكامل (والتي كانت ضمن حدود الإيالة المصرية) إلى متصرفية القدس العثمانية عام 1892م، ذلك الفرمان الذي تصدى له الإنجليز بكل قوة ومنعوا حتى تلاوته في قصر عابدين! فلجأت خارجية السلطان إلى إقناع الرأي العام الأوروبي بتدويل القناة من خلال تحييد القوتين إنجلترا وفرنسا (أصحاب النصيب الأكبر من الاسهم والإدارة في شركة القناة) عن القناة نفسها، ولكنه فشل أيضا.
ودخلت هذه الاتفاقية أخيراً حيز التنفيذ في 1904. حيث نص الاتفاق الودي (السرى) بين انجلترا وفرنسا على تشكيل لجنة إشرافية دولية، ولكن في أغسطس 1914م ومع بداية الحرب العالمية الأولى، أعلنت حكومة مصر أن القناة ستكون مفتوحة للسفن من جميع الدول طبقا للإتفاقية، إلا أن بريطانيا حولت المنطقة كلها إلى محمية بريطانية، ومنعت سفن الأعداء (ومنهم الدولة العثمانية) من المرور بالقناة. وذلك طبعا من خلال إعلانات أُحادية الجانب. حتى بعد إعلان استقلال مصر عام 1922 اشترطت على التواجد البريطاني في منطقة القناة بشكل متكامل.
وفي وقت لاحق وفي عام 1936 اتفقت الحكومة البريطانية مع مصر الانسحاب من بعض المعسكرات في القاهرة والاسكندرية، مع استمرار التواجد في منطقة قناة السويس، من خلال معاهدة "الصداقة". وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 ظلت حكومة مصر، إلى جانب القوى الوطنية، تطالب بريطانيا مراراً وتكراراً بالجلاء عن منطقة قناة السويس، لدرجة أنها اعلنت الغاء معاهدة عام 1936 من جانبها، إلى إن وقّعت حكومة الثورة عام 1954 معاهدة الجلاء، والتي تضع جدولا زمنيا للجلاء التدريجي عن كامل منطقة القناة خلال سبع سنوات، يتولى الجيش المصري حماية منطقة القناة بعدها، إلى أن يزول امتياز الادارة (99 عاما) في 1969م. وقد ظلت القناة تحت سيطرة القوتين العظميين حتى أممها النظام المصري برئاسة جمال عبد الناصر في 1956م؛ ومنذ ذلك الحين تُدير القناة هيئة قناة السويس وإلى الآن .
