في عام 1874م صدر الفرمان الشامل من السلطان عبد العزيز الأول في الآستانه، يؤكد على مبدأ تداول السلطة أو وراثة العرش في مصر والذي حصرها في ذُرية الخديوي إسماعيل فقط دونا عن أسرة محمد علي باشا، ليتولى الخديوي محمد توفيق السلطة رسميا ويحصل على لقبه كحاكم مصر عقب عزل والده عام 1897م، وفي عام 1883م أصدر السلطان عبد الحميد الثاني فرمانا يقضى بإلغاء فرمان وراثة الحكم في مصر، مع استمرار الخديوي توفيق في ممارسة مهامه طيلة حياته، على أن تختار الإدارة العثمانية واليا آخر بعد وفاته حسب رؤيتها.
| السلطان العثماني عبد الحميد الثاني |
كان هذا الفرمان من السلطان رداً على سُلطة الاحتلال البريطاني في مصر لينبهها إلى أن مصر ولاية عثمانية من حق السلطان إدارتها داخليا كيف شاء. وعندما اعترض الخديوي توفيق على هذا لم يُبدي ذلك للسلطان ولكنه استعان بالادارة الإنجليزية التي قرأت الموقف بسرعة وقررت التدخل. فعندما أبدى اللورد دُفرين سفير إنجلترا في الآستانه تحفُظه بشأن الفرمان، أخبره الصدر الاعظم، بإيعاز من السلطان عبد الحميد طبعا، بأن إصدار الفرمانات وإلغائها هذا شأنا داخليا لا يمس حقوق الدول الكبرى. بل هو قراراً سلطانياً يتم تعديله أو سحبه بحسب ما يراه السلطان، طالما لا يتضمن هذا خرقاً للإلتزامات التي نلتزم بها تجاه الدول الكبرى. واعترضت إنجلترا وفرنسا على سياسة الباب العالي، وذكَّرتا السلطان بما حدث عام 1841م، وقالتا له إن إلغاء هذا الفرمان يعني المساس بمصالحهما في مصر، وكذلك المساس بهيبة الحاكم الجديد، الخديوي توفيق، والذي وقع اختيارهما عليه!
ولما استمر تحفُظ السلطان لم تجد الدولتان بُداً من "إرغام" الباب العالي على العودة من جديد لفرمان عام 1873، في كل محتوياته، وهددت انجلترا بفصل مصر عن الادارة العثمانية بشكل رسمي، وأن لديها من القوات العسكرية بالقاهرة والإسكندرية ومنطقة القناة ما يمكنها من ذلك! فسحب السلطان عبد الحميد على الفور فرمانه وأرسل منشورا بذلك للقاهرة في نفس العام، كما أرسله الصدر الأعظم أيضا لممثلي ألمانيا والنمسا وروسيا وإيطاليا وانتهت المشكلة بذلك. وظل السلطان عبد الحميد بعدها يتحين الفرصة لإعادة الهيمنة العثمانية على مصر، فدعم الخديوي عباس حلمي الثاني حين وجد منه نفورا من ناحية الإنجليز، كما دعم الحركة الوطنية في مصر بزعامة مصطفى باشا كامل، والذي أعلن أن تبعية مصر للباب العالي أفضل من تبعيتها للإنجليز. ولكن كل هذا كان دون جدوى! إذ ان جيوش الدولة العثمانية في ذلك الوقت المتأخر كانت اضعف من أن تُواجه جيوش إنجلترا في مصر أو في أي مكان اخر.
وفي عام 1892م ومع تولي الخديوي عباس حلمي الثاني أريكة الحكم في مصر، أراد السلطان الانتصار لإرادته من جديد، فاختار ميدانا أخر بعيدا عن اعتراضات كرومر وأرسل فرمانا للقاهرة باستقطاع شبه جزيرة سيناء من حدود ولاية مصر، وضمها لمتصرفية القدس العثمانية.
| متصرفية القدس بعد اضافة شبه جزيرة سيناء (خريطة عثمانية) |
كانت معظم مساحة شبه جزيرة سيناء خلال العهد العثماني خارج الحدود الشرقية لإيالة مصر، والتي كانت تنتهي عند خط العريش / السويس قبل عام 1811م، ولكن بعد معارك محمد علي باشا في الحجاز والشام الأناضول تم ضم سيناء لحدود دولته، وتم التأكيد على ذلك في فرمان عام 1841م، بعد انتزاع الشام والحجاز والاكتفاء بمصر والسودان فقط ولاية يحكمها هو واولاده من بعده. أيضا أضيفت له السيطرة على بعض الحصون التي كانت تحمى طريق القوافل والحجيج، في الوجه والمويلح وضبا والعقبة (شمال الحجاز)، أرسلت مصر بهم حاميات من الجيش المصري في عهد محمد علي وعباس باشا الأول وسعيد باشا وإسماعيل. ولكن بعد الإحتلال البريطاني لمصر عام 1882م ظهرت مخاوف الإدارة العثمانية من وجود الجيش المصري هناك، بعد حله وتبديل قيادته لضباط انجليز، وبالتالي أبدى السلطان عبد الحميد خوفه من مطامع إنجلترا في أملاكه بالشام والحجاز، لذلك أراد تأكيد سيادته على مصر عن طريق اقتطاع شبه جزيرة سيناء وإلحاقها بأراضي الدولة العثمانية. وقد ألحق السلطان قراره هذا بفرمان تعيين الخديوي عباس حلمي الثاني، وأمر مبعوثه بتلاوته على الجميع في قصر عابدين كجزء لا يتجزأ، وليصعُب معارضته فيما بعد من الإدارة البريطانية. ولكن سفير إنجلترا في الآستانه علم بالأمر، وأبرق على الفور للورد كرومر في القاهرة، ليمنع تلاوة الفرمان بأي شكل، وبالفعل ذهب اللورد مدعما بفرقة عسكرية انجليزية وقفت خارج قصر عابدين، ودخل هو منفردا يأمر بمنع تلاوة الفرمان ويُذكّر الجميع بأن ذلك يُعد اعتداء على تسوية لندن 1840، وفرمان عام 1841 والذي صدر بموافقة الدول الكبرى.
| التغير الذي طرأ في حدود سيناء خلال القرن التاسع عشر |
واقع الأمر أن رفض إنجلترا يعود لأنها تخشى لأن يكون للدولة العثمانية قوات مُطلة على منطقة قناة السويس أو حتى قريبة منها، رغبة في تأمين مصالحها واتصالاتها من وإلى الهند، وأرسل اللورد للسلطان يطلب منه الأمر بترك شبه جزيرة سيناء ضمن حدود مصر. وهذا أدى إلى ظهور أزمة بين إنجلترا والدولة العثمانية التي فشلت في كل محاولاتها لممارسة سيادتها على مصر بأي شكل. أما إنجلترا فقد ظهرت من خلال تلك الأزمة بموقف المدافع عن حقوق الخديوي لتأمين مصر وخاصة طريق قناة السويس من أي خطر عثماني يهددها.
