يرجع الفضل الأكبر في تأسيس الجيش المصري الحديث إلى أفكار ومثابرة وجهود سليمان باشا الفرنساوي، والذي لولاه لطاشت محاولات أخرى لمحمد على لبناء كتيبة عصرية، بعد عدة محاولات باءت كلها بالفشل، ولكن سليمان باشا كمحمد علي! الاثنان لديهما شخصية عنيدة وعزيمة لا تلين..!
| سليمان باشا الفرنساوي يستعرض القوات |
من مواليد ليون بفرنسا عام 1787م، واسمه الأصلي هو Joseph Anthèlme Sèves ولأنه الإبن الثالث لأبيه صاحب الطاحونه، فطلب منه ان ينزل للعمل مبكرا، مكتفيا بنصيبه من التعليم في مدرسة أولية، ولكن الصبي Sèves كان لديه طموح أكبر، فترك طاحونه والده وليون كلها والتحق بالبحرية في عمر 12 عاما، واعجب البحارة بشجاعته ومهارته في اكتساب مزيد من الخبرات. شارك في عديد من الحروب في اسبانيا، والحروب النابليونية إلى أن حصل على رتبة Colonel وبعد الهزيمة تم حل الجيش وتسريح القادة والجنود عام 1815م، وقد رفض Sèves الأعمال المدنية، وذهب لأحد المستشرقين الفرنسيين ليتوسط له لدى شاه العجم بفارس ليعمل في جيشه، فنصحه الكونت De Sigore أن يذهب إلى محمد علي باشا والي مصر والذي سيجد لديه مالن يجده لدى شاه العجم! وبالفعل ذهب الكولونيل لمقابلة "الباشا" في القاهرة، والذي أعجب أفكاره وأسند إليه مهمة تدريب أول كتيبه من 500 فرد من صغار المماليك في أسوان عام 1819م.
إندمج الكولونيل الفرنسي مع تلامذته، وصار أخا أكبر لهم بعد أن كانوا يهمون بقتله في أكثر من حادثة غريبة! فتخلى عن ملابسه وهيئته الفرنسية، وارتدى الملابس الشرقية وأطلق شاربه الكثيف ورفع أطرافه لأعلى على هيئة الأتراك، وتحول إلى الإسلام عن اقتناع، ليصير اسمه سليمان الفرنساوي. قبل أن ينعم عليه محمد علي بالباشوية عام 1834م وترقيته لأركان حرب الجيش المصري الذي يتقاسم معه الفضل في تكوينه وبنائه.
شارك سليمان باشا في حروب السودان والمورة والشام والأناضول، وبعد وفاة محمد على وتقليص أعداد جيشه طبقا لقرارات مؤتمر لندن وفرمان عام 1841م، عاد سليمان إلى فرنسا ليتم تكريمه من الإمبراطور وحصوله على لقب "ضابط عظيم"، ولكنه سرعان ما ترك بلاده وعاد إلى مصر مرة أخرى. وفي عهد عباس حلمي الأول وسعيد باشا من بعده ظل سليمان باشا رئيسا لأركان الجيش كما هو إلى أن مات عام 1860م ودفن بمدفن خاص به لا يزال موجودا إلى اليوم.
تزوج سليمان باشا أكثر من مرة، إحداها من فتاة يونانية تعرف عليها في حروب المورة، وعاد بها إلى مصر، ثم عاد وتزوج من كريمة محمد شريف باشا ناظر النظار (رئيس وزراء مصر) وأنجب منها ثلاث أطفال، منهم أسماء المهدي التي تزوجت من عبد الرحيم صبري باشا (ناظر الزراعة) وانجبت له نازلي التي صارت لاحقا ملكة مصر وزوجة الملك أحمد فؤاد وأنجبت له آخر ملوك مصر الملك فاروق الأول.
وقد حصل سليمان باشا على تكريم كبير خلال حياته وبعد وفاته، من كلا من حكومتي مصر وفرنسا، حيث أقامت فرنسا له تمثال لا يزال إلى الآن في مدينة ليون مسقط رأسه، وتمثالا آخر أنشأته الحكومة المصرية بالقاهرة في ميدان يحمل إسمه وشارع أيضا بمنطقة القاهرة الخديوية. ولكن بعد ثورة يوليو 1952م تم نزع التمثال ونقله لقلعة الجبل، ووُضع بدلا منه تمثالا للاقتصادي الكبير طلعت حرب، واستبدال أسماء الشارع والميدان إلى طلعت حرب، وإن كانا لايزالا يشتهرا بإسم "سليمان باشا" الى اليوم.
