لورانس العرب الجاسوس الذي ترك "التاريخ" ليغير في "الجغرافيا"

طارق الشافعي
كتب
0

من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ الحديث لمنطقة الشرق الأوسط، الجاسوس البريطاني توماس لورانس، والذي قيل عنه قصص كثيرة اختلطت فيها الحقيقة بالخيال. وهو بالأصل عالم آثار وباحث تاريخي ورسام خرائط، تم تعيينه في الجيش البريطاني برتبة كولونيل، اشتهر بدوره في اقناع الأمراء العرب بالثورة على العثمانيين عام 1916م، ومواجهتها في عديد من المعارك في فلسطين وسيناء وبادية الشام عام 1918م، حتى هزيمة الدول العثمانية وضياع أملاكها في الشرق الأوسط بصفة عامة، فكيف حدث ذلك؟


لورانس العرب والأمير فيصل بن الحسين
الجاسوس ت. لورانس في زي عربي مع الأمير فيصل بن الحسين

من أسرة نبيلة ذات أصل ايرلندي، وُلد توماس إدوارد لورانس إبنا غير شرعيا لأبيه من مُربية كانت ترعى اطفاله، ولكنه على أي حال تربى في كنف ابيه والذي ألحقه بجامعه أكسفورد ليدرس التاريخ وتحديدا فترة الحروب الصليبية على الشرق خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، ومن ثَم ذهب لورانس إلى سوريا عام 1910 ليدرس عددا من القلاع القديمة التي عاصرت الفترة الصليبية. واعجب لورانس بالبلاد وأجاد اللغة العربية في فترة وجيزة تعلمها من خادم له ظل ملازما له لفترة طويلة. كما اجاد لورانس رسم الخرائط، وتعرف على كثير من جغرافية سوريا وفلسطين ورسمها في مستندات خاصة به.

خريطة للشرق الأوسط رسمها لورانس العرب
خريطة للشرق الأوسط رسمها ت. لورانس

وفي المكتب العربي، وهو أحد اقسام المخابرات البريطانية، والذي أنشأوه في القاهرة، كان الضباط يخططون لإستعداء البدو على العثمانيين في سوريا والحجاز ولكن ينقصهم ضابط اتصال ليكون همزة الوصل بينهم، ومن هنا قام احد الضباط بترشيح عالم الآثار والتاريخ توماس لورانس والذي سبق ان تعرف به في سوريا، وقال لهم إنه يجيد العربية بلهجة اهل سوريا بشكل لا يصدق! كما يجيد رسم الخرائط بشكل كبير. واستدعوه للقاهرة وتم تجنيده نهاية عام 1914م وارسلوه في بعض المهام الاستطلاعية في بادية العراق والحجاز، تعرف لورانس خلالها على الشريف حسين بن علي حاكم منطقة مكه العثماني، اذ عرفه لورانس بنفسه على إنه صديق عاش في سوريا اكثر ماعاش في بلاده، ويعشق العربية اكثر من لغته الام، ويميل للقومية العربية والملابس العربية ومعيشة العرب اكثر من اي شيء آخر، والغريب ان كلامه كان مقنعا لدى الشريف حسين وولده الامير فيصل، بعدها اقتنعا بالحوار مع السير مكماهون المعتمد البريطاني في مصر الذي أمدهم بالمال والعتاد اللازم (من الخزانة المصرية طبعا) لإعداد جيش من 70 ألف مقاتل لطرد القوات العثمانية من الحجاز ومواجهتها في معارك عديدة في فلسطين ودمشق وحلب. حارب لورانس إلى جانب الامير فيصل في معارك عديدة، بدءا من حرب العصابات، لا سيما في معاركه الاولى بالحجاز ضد القوات العثمانية، ولكن في معارك فلسطين والشام كان يحارب جنبا الى جنب مع القوات البريطانية بقيادة الجنرال ادموند اللنبي. حيث ساعده بهجوم القوات العربية على غزة، فتأهبت القوات العثمانية للدفاع عنها، فدخل اللنبي القدس بعدها بمنتهى السهولة. كما ان لورانس شاهد إعلان الامير فيصل نفسه ملكا على العرب في دمشق عام 1918 قبل طرده من القوات الفرنسية، ولكنه انسحب من المشهد تاركا صديقه الامير فيصل يتفاوض مع السلطة البريطانية إلى ان تم تتويجه اخيرا ملكا على العراق عام 1921م.

 

لورانس العرب مع الأمير فيصل بن الحسين
الأمير فيصل بن الحسين في سبيله لحضور مؤتمر باريس 1919م

وعقب الحرب انتهى دور لورانس، سحبته المخابرات البريطانية من المشهد واسندت اليه وظيفة مستشارًا لونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني (رئيس الوزراء لاحقا) في فبراير 1920. وكان لورانس يكره العمل البيروقراطي، فكتب معلقا على ذلك: كم أتمنى لو لم أذهب إلى هناك، العرب هم صفحة التاريخ التي طويتها؛ والنتائج هي أشياء فاسدة. أنا محتجز هنا أعمل في المكتب كل يوم وأقضي الكثير من الوقت هنا. ايضا سافر لورانس إلى الشرق الأوسط في مناسبات عديدة خلال هذه الفترة، وحمل لمرة واحدة لقب (كبير المسؤولين السياسيين في إمارة شرق الأردن) عام 1925. كما قام بحملة نشطة من أجل نشر رؤية وأفكار تشرشل للشرق الأوسط، ونشر مقالات في العديد من الصحف مثل صحيفة التايمز، والأوبزرفر، والديلي ميل، والديلي إكسبريس. ومن طرائف الاحداث أن لورانس كان يتمتع بسمعة سيئة في فرنسا طوال حياته، فقد اشاعوا عنه انه عدوًا عنيدًا لفرنسا، بصفته كان يحرض السوريين باستمرار على التمرد ضد الحكم الفرنسي. فخلال سنوات الانتداب رفض السوريون أنفسهم الحكم الفرنسي، فأصبح الفرنسيون بحاجة إلى كبش فداء يحملوه تبعة الصعوبات التي واجهوها هناك. وكان هذا الكبش هو لورانس، رغم ان لورانس في الحقيقة كان يكن تقديرا خاصا لفرنسا وثقافتها وتاريخها ولغاتها بحكم دراساته عن دورها الحروب الصليبية. 

 

لورانس العرب والأمير عبد الله بن الحسين
الجاسوس ت. لورانس مبعوثا دبلوماسيا للأمير عبد الله بن الحسين (شرق الاردن)

وقد حاولت الخارجية البريطانية ان ترسل لورانس الى عملية جاسوسية اخرى في كاراتشي في الهند البريطانية (باكستان الان) ولكنهم كشفوا شخصيته لدوره السابق في الثورة العربية، وافتضح امره فاضطر البريطانيون لسحبه ومنحه وظيفة اخرى في سلاح الجو البريطاني عام 1930م. وبعد تقاعده من الخدمة العسكرية، مات لورانس اثر حادث دراجته البخارية عام 1935م ودُفن لورانس في مقبرة موريتون بعد تشييعه في جنازة مهيبة حضرها شخصيات سياسية وعسكرية مهمة ورموز للمجتمع البريطاني الأرستقراطي مثل ونستون شرشل واخرين. ليصبح من اكبر الشخصيات المؤثرة في تاريخ الشرق الأوسط، إذ تغيرت "جغرافية" المنطقة تماما، وظهرت دول جديدة وزالت دول حكمت المنطقة لقرون طويلة. 

 

لورانس العرب في زي الجيش البريطاني
الجاسوس ت. لورانس في أزياء مختلفة

كتب لورانس مذكراته الشخصية بعنوان (أعمدة الحكمة السبعة)، والتي حكى فيها عن الثورة العربية الكبرى، وعلاقته بامراء الحجاز وضباط المكتب العربي البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، وقد استلهم منها المسرح في بلاده أول عمل درامي مقتبس من قصته عام 1931م، أول عرض مسرحي بعنوان (لورانس العرب) يقال ان لورانس شخصيا شارك في كتابة السيناريو الخاص به، هذا طبعا غير الفيلم الشهير الذي قدمته السينما الاميركية في وقت لاحق يحمل نفس الاسم. ولكن لورانس على أية حال لم يكن أمينا في نقل مذكراته، اذ اتسمت رواياته بالمبالغة في كثير من الأمور، ربما ليجعلها اكثر تشويقا، كما اغفل بعضها وروى روايات كاذبة أحيانا، مما دفع بعض الكتاب عقب وفاته ان ينشروا كتاب اخر بعنوان كتاب (لورنس العرب: السيرة الذاتية المرخصة) للمؤلف جيريمي ويلسون. تدحض مزاعم لورانس وتذكر الحوادث الصحيحة. 

 



ايضا كان لورانس كاتب غزير الانتاج، كثيرا ما كتب عديد من الرسائل يتواصل فيها مع جورج برنارد شو، وإدوارد إلجار، وونستون تشرشل، وروبرت جريفز، ونويل كوارد، وسيجفريد ساسون، وجون بوشان، وأغسطس جون، وهنري ويليامسون. وكانت كل رسالة اشبه بتقرير وافي لكل ما شاهده من أحداث، وقد استخدم لغة ادبية بليغة نادرا ما تستخدم في الخطابات الرسمية، مما دفع اولئك المُرسل إليهم الى الاحتفاظ برسائله، إلى ان تم جمعها ونشرها في كتاب يعد مرجعا هاما لتاريخ هذه الفترة في بريطانيا ومنطقة الشرق الأوسط على حد سواء.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)