ينتمي مصطفى كمال (أتاتورك فيما بعد) إلى جماعة القوميين بالجيش العثماني، الذين تحيزوا للعنصر التركي وكانوا يرون إنه يجب أن يتسيد على سائر العناصر حوله من الشركس والأرمن والعرب والأرناؤوط من سكان البلقان المسلمين. فدخلوا في سجال مع عديد من أقرانهم، بل ودفع ذلك باقي العناصر إلى أن يتحيزوا لقوميتهم أيضا، فصار الأمر ينبئ بكارثة داخل الجيش العثماني.
| غلاف مجلة جولريوز التركية (الوجه الباسم) وتحمل تهنئة بالعيد من القائد للشعب |
ورفض ذلك السلطان عبد الحميد الثاني، خليفة المسلمين آنذاك، واعتبرها مؤامرة من اعداء السلطنة، كون الدولة العثمانية مكونة من عديد من القوميات أصلا وليس الاتراك فحسب. ولذلك صار يحارب جماعة القوميين بكل قوته، فتبنى مشروع الجامعة الإسلامية ليحتوي غضب القوميات الأخرى، كما عمل على ربط الآستانة بباقي الولايات بخطوط سكك حديدية لبغداد والحجاز، فيُعلي بذلك من مفهوم القومية الإسلامية في مقابل القوميات المحلية، كما قام بإلغاء القانون العثماني (الدستور) ومجلس الشورى (البرلمان) كيلا يتخذها القوميون وسائل لتقييد سلطاته وتحجيمه لاحقا. ولكن تأثير القوميين الأتراك كان أكبر خاصة بعد تأسيسهم لجمعية الاتحاد والترقي، وتأسيس جماعات أخرى تحمل نفس المفهوم مثل تركيا الفتاة، فانتشر المفهوم بين كثير من الأتراك وصار له ظهيرا شعبيا. وكان ذلك احد أهم أسباب نجاح الإنقلاب على السلطان وخلعه في 1909م.
وجاء من بعده السلطان رشاد الدين محمد الخامس، والذي قرر الموائمة مع القوميين للحفاظ على عرشه، فأعاد القانون العثماني والبرلمان وتركه غنيمة لهم ليستحوذوا على مقاعده ويشكلون الوزارة، كما استمع إلى نصيحتهم بدخول الحرب العالمية الأولى إلى جانب معسكر المحور (ألمانيا) لتجديد شباب الدولة، واستعادة أملاكها في البلقان وإفريقيا من الإستعمار. وكانت في هذه الحرب نهاية الخلافة والدولة بشكل عام.
و بعد تفكُك الدولة، واجتماع الأعداء عليها كما تتداعى الأكَلة على قصعتها، انحصرت آمال الشعب التركي في أولئك القوميين والذين جمعوا أشتات الجيش، أو من تبقي منهم، وأعلنوا ما سُمي بـ"حرب التحرير التركية" لإستعادة أراضيهم وبلادهم، ولذلك عندما دخلوا في مفاوضات جديدة مع الحلفاء، قبلوا بالتنازل عن كل الأراضي ذات القوميات غير الناطقة باللغة التركية، فإذا كانت القومية هي ديدنهم، فلمَ يقاتلون من أجل غيرهم؟ وعليه، فإن ما تحصَّل عليه مصطفى كمال ورفاقه دفع ثمنه الأتراك في حروب راح ضحيتها عشرات الآلاف منهم ومن غيرهم، وليست مَنَّا ولا تفضُّلا من الحلفاء، أو مقابل مؤامرة أو إتفاق مُسبق. وهكذا منحهم أتاتورك الحرية والعزة من جديد بعد أن كانوا أذلة، يرتع شراذم الحلفاء في أنحاء بلادهم من كل جنس! فعندما نجحت مفاوضاتهم وأعلنوا دولتهم، تخلصوا بالكامل من الماضي أو كل ما يربطهم به، فابتكروا لغة جديدة تُيمم وجهها شطر أوروبا لينفصلوا عن تراثهم، واختاروا "العلمانية" كإتجاه للدولة يحتوى كافة القوميات التي تبقت داخل نسيج الشعب التركي. ولأنه اتجاه صعب القبول به لدى المسلمين، فقد كانت رؤية أتاتورك أن يفرضه بالقوة على الجميع، ووضع الجيش مهيمنا على الدولة فيما بعد، بحيث إذا خرج الرئيس أو الحكومة عن الفكر العلماني، فلينقلب عليه الجيش ويُصحح الأوضاع.
وقد أُعجب بأتاتورك وسياسته كثير من الزعماء فيما بعد، مثل شاه ايران السابق محمد رضا بهلوي، وتُحدثنا عديد من التقارير إنه كان بصدد تعميم سياسة أتاتورك في إيران، لولا انقلاب الاسلاميين عام 1979م، وكذلك وملك ألبانيا أحمد زوغو الذي فرض هو أيضا العلمانية بالقوة على الشعب الألباني طوال فترة حكمه. ولا يزال أتاتورك إلى الآن يُعامل في تركيا كبطل قومي، يزور ضريحه كل رئيس جديد أو رئيس للوزراء لتقديم أوراق اعتماده لدى الشعب، وليعلن إنه سيسير على مبادئ أتاتورك، الذي مازالت تسير البلاد بأفكاره ونهجه وهو في قبره.

