في 1902، نشر الامام محمد عبده في مجلة المنار مقالا بعنوان "آثار محمد علي في مصر"، ويبدو أنه أراد بهذه المقالة أن يُغرد خارج السرب المُحتفي بإنجازات "الباشا" أمام حفيده الخديوي عباس حلمي الثاني! فكان من رأي الإمام أن محمد علي باشا قد فرض التنمية على المصريين فرضاً، في وقت لم يكونوا مهيأين لذلك، فكان سبباً في فشل انجازاته كونها لم تصدُر عن الناس بل عبر قهرهم..!
| الإمام محمد عبده |
وقد يكون الصواب جانب الإمام في رأيه هذا، لأن المصريين واقع الأمر إنهم كانوا بعيدين عن التنمية تماما، بل وعن أي مظهر من مظاهر الحضارة، بفعل بقائهم في السلطة العثمانية لمئات السنين، فلم يكن من السهل أن يُعرض عليهم التنمية فيقبلوها، لم يكن من السهل أن يدعوهم محمد علي لإرسال أطفالهم الى المدارس فيرسلوهم، لم يكن من السهل أن يسافر بالمتفوقين بعثه للدراسة بالخارج، لم يكن من السهل ان يُقر التجنيد الاجباري على جموع المصريين ولا يتهربون منه، لم يكن سهلا ان يخرج إبراهيم باشا بالجيوش خارج مصر ليقاتل عدو يُعتبر شخصيه لها اعتبارها عند عموم المصريين (خليفة المسلمين)!
ولكن الأيام اثبتت أن ما أجبر الباشا عليه جموع المصريين في البدايه قد قبلوه فيما بعد برغبتهم، ف الأطفال الذين سيقوا إلى المدارس ذات يوم هُم من خرج منهم الجيل الذي بدأ النهضة، وصار منهم الطبيب والمهندس والجندي والموظف بالدواوين وغيرهم، ومن رفض السفر لفرنسا ذات يوم صار يبحث عن فرصه ببعثة دراسيه اخرى لاحقا، ومن رفض التجنيد الإجباري وقطع إبهامه أو هاجر من مصر هو من خرج لاحقا لحروب الأناضول تحت راية الجيش.. خلاصة الأمر أن التنمية كان يجب أن تُفرض فرضا في البدايه، على أن تأتي الموافقه أو القبول لاحقا، فكذلك فعلت انجلترا حينما حاربت الاسكتلنديين والايرلنديين وأهل ويلز لتوحيد الجزيرة قديما، واليوم حينما تم عمل استفتاء لانفصال سكوتلاندا رفضوا وقرروا البقاء تحت الراية البريطانية!
أما مارواه الإمام عن فشل انجازات الباشا، ف واقع الأمر أنها لم تفشل لشيء فيها، وانما سعت الدولة العثمانية بالتعاون مع الدول الأوروبية إلى (قصقصة ريش) محمد علي، مما تسبب في تعطيل مشروعه، وانهيار دولته، وليس لسبب آخر! إن محمد علي أحيا في المصريين روح العمل من جديد، واستطاع خلال عشرين عاما أن يغير في كل نواحي الحياة في مصر زراعيا وصناعيا وعسكريا واقتصاديا، لولا قرارات مؤتمر لندن عام 1840 وما أعقبه من فرمان عثماني مشئوم عاد بعجلة التنمية للوراء! تخيل معي لو لم يكُن، ماذا سيكون شكل الحياة في مصر عندئذ؟
حاول الإمام في مقالته أيضا ان يربط بين قهر محمد علي للمصريين وبين فشل الثورة العرابية، متناسيا أن التدخل العسكري البريطاني كان بقوات لا قِبل لعرابي ولا للجيش بها، تماما كما فعلت مع محمد علي في نڤارين عام 1828 وفي ساحل الشام عام 1840، كما تناسى الإمام أيضا خديعة دليسبس لعرابي وسماحه للإنجليز بالدخول عبر القنال، وأيضا فرمان السلطان عبد الحميد بعصيان عرابي والذي كان خِنجرا في خاصرة الثورة، وليس انهيار الروح المصرية كما قال! ف كيف يخرج المصريين لدعم عرابي بعد أن قال عنه "خليفة المسلمين" أنه عاصٍ مارق وجب محاكمته وإعدامه!؟ هل يجوز؟.. وتخيل معي أيضا لو التزم السلطان الحياد تجاه ما يحدث في مصر، ولم يتدخل لصالح الانجليز كما أُملي عليه؟ قد لا تتغير الصورة كثيرا، ولكن اعتقد أن المقاومة ستكون بالقدر الذي يمنع الإمام من الاعتقاد أن الروح الوطنية لدى المصريين قد انتهت بفعل قهر محمد علي لهم منذ أكثر من أربعين عاما وقتها، بدليل انها عادت من جديد وواجهت المحتل اكثر من مرة في مظاهرات الاحتجاج على حادثة دنشواي 1906 وفي حوادث ثورة عام 1919..
