الشيخ محمد عبده أحد أهم أئمة التنوير في القرن التاسع عشر

طارق الشافعي
كتب
0

الإمام محمد عبده بن حسن خير الله أحد أئمة التجديد في القرن التاسع عشر، من مواليد شبراخيت مديرية البحيرة عام 1849م ، لأب من أصول تركمانية وأم مصرية من قبيلة (بني عدي) العربية .. ارسله والده لدراسة علوم الشريعة والفقه بالازهر عام 1866م، وخلال عشر سنوات حصل على شهادة العالمية. وصار من نخبة اهل العلم المشهورين في المجتمع القاهري بعد ان التقى بالشيخ جمال الدين الأفغاني على قهوة متاتيا بالعتبة، والتي صارت اول (صالون ثقافي) جمع المثقفين وراغبي العلم والتنوير من القاهريين. اعجب الافغاني بافكار محمد عبده، وتشبع عبده بأفكار الأفغاني، وقد اعاد صياغتها في صورة إسلامية، فكانت اقرب لافكار القاعدة العريضة من الجماهير.. 

في عام 1881م هبت رياح الثورة العرابية، واحتضن العامة والمثقفين في مصر مطالب رجال الجيش الفئوية! الى ان تبلورت في ثورة شعبيه تضغط على الخديوي لتغيير الوزارة وصياغة اول دستور وبرلمان بمطالب الشعب.. وكان محمد عبده والافغاني من ضمن النخبه التي احتضنت الثورة، وصاغت بمقالاتها توجيه الرأي العام في مصر ليدعم الثورة. قبل ان يتدخل الانجليز والخديوي بخطتهم لاثارة الفوضى التي أدت لإحتلال مصر ووأد الثورة في مهدها!.. وبعد محاكمه العرابيين والتخلص منهم تم اعتقال الشيخ عبده والافغاني وحكم عليهم بالسجن، ثم خفف الحكم للنفي، فذهب الافغاني لاسطنبول والشيخ عبده لبيروت لمدة ثلاث سنوات ، ثم سافر بدعوة من الأفغاني لباريس عام 1884م ، ومن هناك أسس صحيفة (العروة الوثقى) ثم أسس جمعية دينية بذات الاسم ..

الإمام محمد عبده شابا

وظل الإمام يتشوق للعودة الى الوطن، الى ان توسط له تلميذه سعد زغلول لدى الخديوي، فحصل على عفو عام بشرط الا يعمل بالسياسة ولا يتحدث فيها مرة أخرى. فعاد الامام لمصر عام 1889م، ليعمل بالقضاء في محكمة بنها ثم الزقازيق ثم محكمة عابدين ثم ارتقى إلى منصب كبير قضاة محكمة الاستئناف عام 1891م .. وفي عهد الخديوي عباس حلمي الثاني تم تعيينه بمنصب مفتي مصر عام 1899م.

تتلمذ على يدي الامام كثير من النخبة الذين صاغوا بايديهم الموجة الثانية من الحركة الوطنية بمصر مطلع القرن العشرين، منهم حافظ ابراهيم شاعر النيل، والشيخ المراغي (شيخ الازهر لاحقا)، وسعد زغلول (زعيم الامه لاحقا)، وقاسم امين، وطه حسين (عميد الادب العربي ووزير المعارف لاحقا). ومن فلسطين الشيخ المجاهد عز الدين القسام..

كتب الشيخ محمد عبده عديد من المؤلفات، التي تنوعت بين المقالات اليومية والاسبوعية بجريدته الامه والعروة، وبعض الكتب التي اعادت صياغة وصححت كثير من مفاهيم التراث التي كانت تتسم بالجمود ولا تصلح للتعامل مع روح العصر، كما اهتم بالرد على كتابات عديد من المستشرقين، ليوضح لهم ان كتاباتهم المعادية للثقافة الإسلامية انما تنتج عن عدم علم وعدم المام بكثير من الأمور، تلك المؤلفات التى جعلت من الشيخ أحد رموز التجديد في الفقه الإسلامي و من دعاة النهضة والإصلاح في العالم العربي و الإسلامي ، ساهم بعد التقائه بأستاذه جمال الدين الأفغاني في إنشاء حركة فكرية تجديدية إسلامية في أواخر القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين تهدف إلى القضاء على الجمود الفكري و الحضاري و إعادة إحياء الأمة الإسلامية لتواكب متطلبات العصر. وقد نالت مؤلفاته استحسان الكثير، وتمت ترجمتها ونشرها في اوروبا بعديد من اللغات. 

وبعد حياة حافلة بالنضال في العلم والسياسة، رحل الامام عن عالمنا في يوليو عام 1905م، في مدينة الاسكندرية، ودفن بالقاهرة بعد جنازة مهيبه، شهدها عديد من تلاميذه ومحبيه، وعلى راسهم الخديوي عباس حلمي الثاني ،كما رثاه شاعر النيل حافظ ابراهيم بابيات مؤثرة. 

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)