كيف استطاعت بريطانيا بناء كيان استعماري حكم العالم في وقت ما، وكيف انتهى وزالت سطوته؟

طارق الشافعي
كتب
0
في مطلع القرن السابع عشر، كانت الجزر البريطانية تعاني من الانقسام والصراعات: العرقية مابين إنجليز وويلزيين وسكوتلانديين. والفكرية مابين قلة مثقفين وأغلبية من الاميين.  والدينية مابين كاثوليك وبروتستانت! فكيف استطاعت بريطانيا أن تتغلب على كل هذا وتبني دولة استعمارية سيطرت على مساحات شاسعة من العالم؟ 

في البداية كان لابد من توحيد الجبهة الداخلية، فلا تُبنى الدول العظمى ابدا من شعب ممزق! فتم توحيد الشعوب كلها، تحت سياسة "لا غالب ولا مغلوب"! والتغاضي عن التسميات او القوميات انجليزي وسكوتلاندي وويلزي وظهرت في عام 1707م القومية الجديدة.. بريطاني! كما تم عمل علم جديد يضم أعلام الأقاليم الثلاثة، واعتماد اللغة الانجليزية لغة رسمية للبلاد وعمل مؤسسة لصياغة تلك اللغة ومفرداتها والتحكم فيها. وايضا تم اقرار مذهبا دينيا جديدا وهو المذهب الانجليكاني برئاسة ملك البلاد (ليخرجوا من عباءة التبعية لكنيسة روما)، وبذلك نال ملك بريطانيا سلطة دينية إلى جانب سلطته الدنيوية، ولكي لا تناله العظمة والكبرياء كسابقية، صارت السلطة مقسمه بينه وبين مجلس الوزراء ومجلس العموم، فلا يصدر أي قرار الا بموافقة الثلاثة معا. 
 

أيضا إتجهت بريطانيا لتحقيق النهضة الصناعية قبل غيرها من دول أوروبا، فظهرت فيها الميكنة الزراعية والتي نهضت بمحاصيلها بصورة كبيرة، كما استخدمت ايضا الآلات في كثير من المجالات الصناعية، فانعكس ذلك على نمو سريع ورخاء اقتصادي ساعدها على بناء دولة قوية وجيش قوي، وايضا تحسن المستوى المعيشي في الريف والحضر. 

ومع توسع مستعمراتهم خارج اراضيهم، فكان لابد من استخدام الدهاء السياسي مع الشعوب المغلوبة. فاستخدمت بريطانيا أصحاب النفوس الضعيفة من الزعماء المحليين، وضمنت ولائهم ببعض الترغيب والرشاوي المالية والألقاب والأوسمة وشراء الذمم ، مع بعض التخويف من العقاب أو الخلع من المنصب ، ليكونوا وكلاء للمستعمر البريطاني ، يحققون مصالحه على حساب مصالح البلد والشعب. 
 

ايضا تعاملت بنفس الدهاء مع غيرها من الدول، لتحصل على ماتريد بدون الحاجة لخوض غمار الحروب. فإستفادت من صراع نابليون والروس، ونابليون الثالث والبروسيين، والدولة العثمانية وروسيا وغيرهم الكثير، واستطاعت بدهاء التحكم بأوراق الضغط والمصالح والسيطرة على الدول التي تضعف بسببها أو بسبب غيرها، فكانت لا تدخل أي حرب إلا بعد ضمان الإنتصار بها. كما عملت بريطانيا عن طريق بعض العملاء على خلق الإنقسامات في داخل الشعوب، سواء التي تحكمها او لا تحكمها، لتستعملها كأوراق للتحكم في لعبة السيطرة، وهذا تحت مسمى دعم الأقليات عرقية، فكان لها الفضل في خلق أديان وطوائف جديدة، وارتفاع قوميات او هبوطها، أو في شحن الفئات المختلفة من عناصر الشعب الواحد.
 

ايضا حرص الانجليز على بناء جيوش تابعة لها، بخلاف الجيوش الوطنية، فمثلا في الهند كان هناك جيش موالي لبريطانيا يتكون من حوالي 100 ألف مقاتل هندي يرتدون العمامة (هوية بلادهم)، ولكنهم يحاربون بأسلحة بريطانية وجنرالات وقادة انجليز، ولذلك فهو يعمل دائما لصالح المستعمر، ويقتل الهنود ويقمعهم لو ثاروا أو طالبوا بالإستقلال، نفس الشيء فعلوه في استراليا وجنوب افريقيا، وقد شاركت هذه الجيوش إلى جانب الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى والثانية.

أيضا الإعتماد على طبقة من المتعلمين والمثقفين المبهورين بحضارة بريطانيا، عن طريق الدعاية والإعلام والمدارس الانجليزية التي تصنع أجيال من الموالين لها، وكل مرجعيتهم وأحلامهم هي بريطانيا وارستقراطيتها وتقاليدها. فلو حصل اولئك المثقفين على مناصب عليا في بلادهم، كانوا خير سفير لبريطانيا من قنصلها الرسمي الموجود في البلاد. وهكذا فإن عبودية العقول تضمن عبودية الإقتصاد والسياسة والجيش وكل شيء.

على ضوء نفهم ما رويناه في حلقاتنا عن سياسة بريطانيا في التعامل مع دول الشرق الأوسط.. 

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)