السادات يدرك خطأه بعد فوات الأوان

طارق الشافعي
كتب
0
"كامب ديفيد مخرجتش مصر من ساحة النضال
دا اسيادهم، اللي بيمولوهم، هما اللي بيقولولهم هذا الكلام..
ولازم يدفعوا تمنه..
وثورة 23 يوليو..
انا طلعت غلطان..!
كان لازم خليتهم في مكانهم.." 

يجسد هذا التعبير الانفعالي الشهير للرئيس أنور السادات، في آخر خطاباته أمام مجلس الشعب في سبتمبر 1981، لحظة "انكسار الميثاق النفعي" بين السلطة السياسية والتيارات الأيديولوجية. إنه اعتراف فلسفي بـ "خيبة الأمل" التي تتجاوز مجرد الحسابات السياسية الخاطئة، لتمس عمق الصدمة الوجودية للحاكم الذي ظن أنه يمتلك القدرة على تدجين "المقدس" وتوجيهه لخدمة "الزمني". هذا التحول التراجيدي من "الآمال العريضة" إلى "الخيبة المريرة" يمكن قراءته عبر أبعاد فلسفية وسياسية تفكك طبيعة هذه العلاقة. عندما أطلق السادات سراح قيادات الإسلام السياسي في مطلع السبعينيات (خاصة جماعة الإخوان المسلمين)، لم يكن ينظر إليهم كشركاء في الحكم، بل كـ "ثقل موازن" ميكافيلي لكسر شوكة التيارات اليسارية والناصرية التي كانت تهيمن على الجامعات والنقابات وتُهدد شرعيته. استندت آمال السادات إلى فرضية فلسفية خاطئة مفادها: أن "الحرية المشروطة" والامتيازات الدعوية ستولد لدى هذه الجماعات ولاءً للعرش، أو على الأقل تحييداً سياسياً يتيح له هندسة المجتمع اقتصادياً وسياسياً (الانفتاح والسلام) دون إزعاج. خيبة الأمل الكبرى نبعت من اكتشاف السادات أن الفكر الأيديولوجي العقائدي لا يرضى باللعب في الهوامش التي يحددها الحاكم. فالتيارات التي منحها الشرعية لضرب اليسار، سرعان ما نمت وتفرعت لتنتج جماعات راديكالية (مثل "التكفير والهجرة" و"الجهاد") رأت في الحاكم نفسه، بعد زيارته للقدس عام 1977 وتوقيع معاهدة كامب ديفيد، "طاغوتاً" يجب الخروج عليه.

وقد حاول السادات إضفاء طابع أخلاقي وديني على حكمه، ملقباً نفسه بـ "الرئيس المؤمن"، ومروجاً لـ "دولة العلم والإيمان". كان يأمل في صياغة "إسلام رسمي" مهادن يبرر خياراته السياسية. الخيبة هنا فلسفية بامتياز؛ إذ أدرك السادات متأخراً أن التنازل للتيار الديني عن "المجال العام" (التعليم، الإعلام، المساجد) مقابل الولاء السياسي هو صفقة خاسرة. فالإسلام السياسي يمتلك راديكالية بطبيعته لا تقبل الحلول الوسط؛ حيث يعتبر خطابه "متعالياً" ومستمداً من سلطة إلهية، بينما خطاب السادات ظل خطاباً "برلمانياً وضعياً" محكوماً بالواقعية السياسية والتحالفات الدولية. عندما هتف السادات "أنا طلعت غلطان"، كان يعلن سقوط وهم "الوفاق الأيديولوجي". لقد صُدم بأن التيارات التي اعتقد أنه أحسن إليها بنقلها من غياهب السجون الناصرية إلى منابر الجامعة، لم ترَ في صنيعه "جميلاً" يستوجب الولاء، بل رأت فيه "ضعفاً سياسياً" من الدولة، وفرصة تاريخية للانقضاض على السلطة لفرض تصورها الخاص للخلافة والحاكمية.


وتنطوي هذه العبارة البائسة على اعتراف ضمني بـ عقم الديمقراطية الإجرائية في مواجهة العقائد المطلقة. السادات، الذي أراد أن يدخل التاريخ كـ "بطل الحرب والسلام والديمقراطية"، وجد نفسه ينكص في لحظة وعي يائسة إلى أدوات الاستبداد التقليدية (السجن والاعتقال التحفظي) كحل وحيد لحفظ كيان الدولة. لقد أدرك السادات في النهاية، والمقابل كان حياته شخصياً بعد أسابيع قليلة من هذا الخطاب، أن إخراج "جني" الأيديولوجيا الدينية من القمقم أسهل بكثير من إعادته إليه، وأن الآمال التي علقها على تحويل الإسلام الحركي إلى حزب سياسي أليف كانت مغالطة تاريخية دفع ثمنها على منصة العرض العسكري في 6 أكتوبر 1981.
الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)