يشير مصطلح "الصحوة الإسلامية" إلى حالة اليقظة والعودة الواسعة لالتزام أحكام الدين والتمسك بتعاليمه، والتي برزت في المجتمعات الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي. وتهدف في جوهرها إلى تجديد الخطاب الديني، والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة، والدعوة للشمولية في فهم وتطبيق الإسلام. وقد سعت "الصحوة" إلى تقديم الإسلام كمنظومة حياة متكاملة تشمل الجوانب الروحية، والاجتماعية، والسياسية، والتشريعية. وتهدف إلى استنهاض الأمة، وتجديد الفكر الإسلامي لمواجهة تحديات العصر دون التفريط في الثوابت. وإحياء مظاهر العبادة، والأخلاق، والتمسك بالسنة النبوية، وتطبيق أحكام الشريعة في المعاملات اليومية.
وقد أسهمت هزيمة عام 1967 في تراجع مشاريع القومية العربية، مما دفع الشباب والمفكرين للبحث عن الهوية الإسلامية كبديل فكري وسياسي، كما شهدت هذه الفترة تنامياً كبيراً للنشاط الدعوي، وتأسيس الجمعيات الخيرية، وانتشار الحركات الإسلامية في الجامعات والمدارس. ومن ثم انطلقت شرارة "الصحوة" الأولى في دول مثل مصر والسعودية، ثم امتدت لتشمل مختلف الأقطار العربية والإسلامية، وحتى الجاليات المسلمة في الغرب. وكان للمفكرين دوراً بارزاً في تأصيل أفكار الصحوة وتوجيهها، من أبرزهم الشيخ يوسف القرضاوي، والذي ركز على فقه الأولويات والجمع بين السلفية التقليدية والتجديد، عبر كتبه مثل الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف. والشيخ محمد الغزالي، الذي عُرف بجهوده في التجديد الفكري ومحاربة الجمود. والشيخ سلمان العودة، والذي ساهم في نشر الخطاب التربوي وتوجيه الشباب.
وقد واجهت الصحوة تحديات داخلية وانتقادات خارجية معقدة، كالغلو والتطرف حيث عانت الصحوة في مراحل معينة من تيارات داخلية جنحت نحو الغلو والتطرف، مما استدعى دعوات مستمرة من علماء الأمة للالتزام بالوسطية والاعتدال. حين انتقد بعض المفكرين (مثل د. فؤاد زكريا) تركيز بعض أطياف الصحوة على الجوانب الشكلية والمظهرية، وإغفال برامج العمل الواقعية لبناء الدولة الحديثة. وقد شهدت العلاقة بين تيارات الصحوة والأنظمة السياسية الحاكمة مراحل من المد والجزر والصدام في كثير من الدول العربية.
وقد حظي فكر "الصحوة الإسلامية" في عديد من الدول العربية مطلع السبعينات من القرن الماضي بدعم وتمويل رسمي وسخي من الدولة السعودية ومؤسساتها، كأداة قوية ضمن استراتيجيتها للقوة الناعمة لمواجهة الأفكار الشيوعية والاشتراكية والناصريه. كما شكلت البيئة الفكرية واللوجستية للصحوة الغذاء الأساسي، والرافد الرئيسي الذي منح الحياة للتنظيمات الجهادية المتشددة، التي نشأت في أفغانستان، وذلك بموجب تحالف جيوسياسي ثلاثي جمع بريطانيا والولايات المتحدة والسعودية إبان الحرب الباردة، وهو ما أكده علناً ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مقابلته الشهيرة مع صحيفة "واشنطن بوست" عام 2018.
في الخمسينيات والستينيات، واجهت السعودية صعود فكر القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، وما ورائه من المد الشيوعي السوفيتي في العراق وسوريا، ثم الثورة الإيرانية عام 1979. في الوقت الذي كانت فيه تستضيف السعودية آلاف القيادات والكوادر الهاربة من جماعة الإخوان (من مصر وسوريا والعراق) اثر الملاحقات الامنيه. نتج عن هذا التزاوج تيار "الصحوة" الذي دمج بين السلفية العقائدية السعودية والمسيس الحركي الإخواني. فوظفت الدولة أجهزتها الرسمية والدبلوماسية والاستخباراتية، إلى جانب منظمات أخرى مثل رابطة العالم الإسلامي، لتمويل بناء المساجد، والمراكز الإسلامية، والجامعات في شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي لنشر هذا الفكر. ولم يكن الدعم قاصراً على المخابرات السعودية (برئاسة الأمير تركي الفيصل آنذاك)، بل كان تنسيقاً كاملاً مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات الباكستانية. التزمت الحكومة السعودية بـ "الدولار مقابل الدولار" تماشياً مع ما يدفعه الكونجرس الأمريكي لتمويل "المجاهدين الأفغان". وتدفقت مئات الملايين من الدولارات عبر حملات التبرع الرسمية والشعبية. وبالتالي وفرت منابر الصحوة في المساجد والتجمعات الاسلاميه في السعودية ومصر وغيرها الغطاء الشرعي والتحفيزي للشباب، حين صورت الحرب في أفغانستان كـ"فرض عين" على كل مسلم. حتى الرئيس السادات في مصر، قد أعلن دعمه للمجاهدين الأفغان باعتبار نشاطهم جهادا دينيا ضد قوات غازية معتدية. وكان هذا المناخ هو الجسر الذي عبر منه الآلاف (ومنهم بن لادن والظواهري وغيرهم) ليتحولوا لاحقاً من "مجاهدين" او مقاتلين محليين إلى تنظيمات عابرة للحدود مثل "القاعدة". إلى ان جاء الغزو العراقي للكويت عام 1990 فانقلب السحر على الساحر، حيث واجهت السعودية تداعيات هذا الفكر محلياً حين انقلب رموز الصحوة لرفضهم الاستعانة بالقوات الأمريكية، وواجهت الاجهزة الامنيه السعودية ذلك الرفض مواجهة امنيه حادة، مما تسبب في موجة إرهاب ضربت الداخل السعودي في العقدين الماضيين.
اليوم، تعيش السعودية مرحلة مراجعة فكرية وتفكيك كامل لإرث "الصحوة". وفي إطاره جاء التصريح التاريخي لولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأن الحلفاء الغربيين هم من طلبوا من المملكة استثمار أموالها ومؤسساتها في نشر الفكر الإسلامي خلال الحرب الباردة، وأن الحكومات السعودية المتعاقبة ضلت الطريق في التعامل مع هذا الملف، مؤكداً التزام البلاد بالعودة إلى "الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على جميع شعوب العالم".
