تاريخ البغاء في مصر: عصور الاحتلال والعصر الحديث

طارق الشافعي
كتب
0
نستكمل في هذه التدوينة ما بدأناه في تدوينات اخرى سابقة حول تطور تجارة "الرقيق الأبيض" في مصر، والتي تناولنا فيها الفترة الممتدة من العصر الفرعوني حتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. ننتقل الآن إلى بداية عصر محمد علي باشا، بعد أن أنهى صراعاته مع المماليك وزعماء الشعب، وتحسنت علاقته مع السلطان العثماني إثر انتصاره على الوهابيين في الحجاز، مما أتاح له الفرصة للالتفات إلى الشؤون الداخلية.


في عهد محمد علي وعباس الأول

لم يختلف وضع "البغاء" كثيرًا في تعامل الباشا معه عن العصور السابقة. تشير العديد من روايات المؤرخين المعاصرين، كالجبرتي على سبيل المثال، إلى تحصيل الضريبة من بيوت الزواني والخواطي، كما كانوا يسمونهم آنذاك. استمر هذا الوضع حتى لمس الباشا بنفسه التأثير السلبي لهذه البيوت على جنود الجيش المصري، الذي تأسس عام 1822م، والمتمثل في تفشي أمراض مثل الزهري والسيلان، التي تصيب معظم رواد تلك الأماكن. لذلك، اتخذ قرارًا بإبعاد جميع بيوت الغواني من القاهرة إلى أقصى الصعيد في إسنا وأسوان، وكان هذا في عام 1834م، ثم أتبعه بقرار أخر عام 1873 يمنع النشاط ذاته من مصر بالكامل، ولكن ذلك الاخير لم يتم العمل به بشكل فعلي نتيجة لدخول ادارة "الباشا" في مشاكل مع الباب العالي اتبعها بأزمة فرمان عام 1841 التي حالت دون تفعيل عديد من الاوامر العليا أو وضعها حيز التنفيذ.


في فترة حكم والي مصر عباس الأول، في أواسط القرن التاسع عشر، صدر قرار بعودة بيوت الغواني من جديد إلى القاهرة والإسكندرية، والتي عُرفت باسم "الماخور". عادت الفتيات اللاتي كن يعملن في هذا المجال، وعاد من يشغلونهن. في عام 1855م، صدرت لائحة لتنظيم عمل البغاء، سُميت "لائحة مكتب التفتيش على النسوة العاهرات". كان الهدف من إصدارها هو السيطرة على الضرائب المحصلة منهن، حيث كانت تلزمهن بتجديد الترخيص مرتين سنويًا. كما أصبح "الكار" أو المهنة، بلغة أهل العصر، أكثر تنظيمًا واحترافية، ربما بسبب دخول بعض الأوروبيات (يونانيات أو إيطاليات) في العمل بالكراخانات. أصبحت مديرة المكان أو البيت تُدعى "العايقة"، والفتيات العاملات معها يُطلق عليهن "مقطورة". وقد يكون هذا الاسم الأخير جاء من عادة "العايقة" في استعراض الفتيات في الشارع أمام الناس لإظهار "الأصناف" التي لديها، كنوع من جذب الزبائن، فكانت تمسك بهن وتمشي بهن في طابور عند الدخول أو الخروج. عادت الدولة لتحصيل الضريبة من هذه البيوت كما كان يحدث من قبل. ومما يلاحظ في هذه البيوت أنها، كنوع من تطوير الأداء، كانت تقدم خدمات أخرى مثل الرقص والغناء والخمر، إلى جانب الخدمة الأساسية، ولكن بصورة أكثر تطورًا عن العهود السابقة.

في عهد إسماعيل وتوفيق

في نهاية عهد الخديوي إسماعيل وبداية عهد الخديوي توفيق، وتحديدًا عام 1880م، أصبحت القاهرة مدينة كبيرة وتوسعت مساحتها إلى أكثر من الضعف مقارنة بأيام محمد علي باشا. أضاف إسماعيل باشا أحياء جديدة على الطراز الأوروبي، وخاصة الفرنسي، نظرًا لتعليمه هناك. كما شهدت المدينة بنية تحتية وشبكة طرق وإنارة ومياه شرب غيرت منظر القاهرة تمامًا. إلى جانب ذلك، قدم عدد كبير جدًا من الأوروبيين للإقامة فيها، تاركين بلادهم بحثًا عن معيشة أفضل في مصر، التي اعتبروها بلدًا ناشئًا، لا بلدًا عمره أكثر من 5000 سنة. جاء الأجانب بعاداتهم وتقاليدهم وعاشوا بها في قلب المجتمع المصري، وقليل جدًا منهم من انخرط في المجتمع وخرج من "العباءة الخواجاتي". 

نموذج لترخيص رسمي لمحل (بيت) لممارسة البغاء

تصريح رسمي لامرأة بممارسة البغاء

أيضا في عام 1867م تم اصدار قرار بحبس كل "قواد" يجبر حدثا أو امرأه دون سن 21 عاما على البغاء، حتى لو كان الفاعل هو الأب أو ولي الأمر بشكل عام ، وكان ذلك ايذانا بتقنين نشاط البغاء وايضا تنظيم العمل به وإحكام عملية الفوضى التي كانت تسوده في ذلك الزمان. ولكن في عام 1877م ظهر اتجاه عالمي بتجريم الرق، وقد حرص خديوي مصر  اسماعيل باشا، منذ ايامه الأولى بالسلطة، على تقديم بلاده باعتبارها من العالم المتحضر، فأصدر قرارا يلغي الرّق من مصر بشكل كلي، وايضا تحرير كل النساء والرجال من العبودية، فكانت النتيجة (طبقا لعديد من التقارير المحلية) أن اتجه عديد من النساء (المُحررات من الرّق) للبغاء للحصول على لقمة العيش في كنف سيد مسئول عنها يدير عملها ويكفل رزقها وكسوتها.

"بيوت الخواطي" على النمط الأوروبي الحديث

بطبيعة الحال، لم يُعجب الأجانب كثيرًا بـ"بيوت الخواطي" الموجودة في مصر، فبدأوا ينشئون "مواخير" خاصة بهم في أماكن أخرى. وفي الوقت نفسه، بدأ المجتمع يتضرر من وجودهم بعادات مخالفة للعادات السائدة. لذا، صدر قانون الضبطية عام 1880م، الذي حدد أماكن معينة (في حي الأزبكية وباب الشعرية وشارع كلوت بك) ومواصفات معينة لبيوت الخواطي، مثل: "لا يكون للبيت إلا باب واحد فقط، ولا يجوز اتصال بينها وبين مساكن أخرى أو دكاكين أو محلات عمومية منعًا لشكوى أرباب العائلات... وضرورة موافقة قنصل الدولة لرعاياها الأجانب بتصريح مثل هذه الدور والعقوبات التي توقع على المخالفين، وكذلك تحديد الحد الأدنى لعمر العاهرات وإثبات توقيع الكشف الطبي الدوري عليهن."

بيوت الدعارة الشعبية

بعيدًا عن البيوت التي يرتادها الطبقات الراقية، كانت بيوت "الزواني" أو ما يُعرف بالدعارة الشعبية المنتشرة في مناطق مثل عرب المحمدي والعزبة السودانية وغيرها. كانت هذه الأماكن من أرخصها سعرًا، وكانت توفر الخدمة في بعض الأحيان عن طريق حفرة في الأرض تنام فيها العاهرة، وتغطى بقماشة كبيرة أو ستارة تثبت بالطوب على الأرض. يدخل الزبون ويشد الستارة عليه، وبعد أن ينتهي يرفع الستارة ويخرج، ويدخل التالي وهكذا. أما في الأزبكية، فكانت العملية أكثر إنسانية بعض الشيء، في ظل وجود الفنادق والبيوت المعدة خصيصًا لتقديم هذه الخدمة، وكانت تختلف كثيرًا في السعر عن البيوت الشعبية التي تحدثنا عنها. وكانت أغلب أسماء الفتيات (طبقًا لسجلات حكمدارية بوليس العاصمة عام 1895م) تحمل ألقابًا كأنها علامات تجارية مسجلة أو أسماء شهرة، مثل حسنة الطرابية، وزينب الفطاطرية، وبهية الزايطة، وفاطمة الإسكندرانية، وبمبة العربجية، إلخ. في الإسكندرية، انحصرت أماكن الدعارة في كوم بكير وجبل ناعسة وشارع طيبة ومنطقة قسم اللبان (المجتمع السري في القاهرة 1900-1951 - د. عبدالوهاب بكر، 2001).



الاحتلال يصدر لائحة جديدة

في عام 1885م، وبعد الاحتلال الإنجليزي، صدرت لائحة جديدة من مكتب التفتيش على النسوة العاهرات، ألزمتهن بالكشف الدوري عليهن كل ثلاثة أشهر في مستشفى الأمراض الجلدية والتناسلية في منطقة الحوض المرصود بالسيدة زينب، مع استثناء "العايقات" اللاتي تجاوزن سن الخمسين عامًا. كان هذا بالطبع حرصًا على الصحة العامة لجنود الاحتلال، الذين كانوا أكثر من يطلب هذه الخدمة. وكان مندوبو السرية الطبية البريطانية يجلسون أمام المواخير لتسليم كل عسكري داخل من الباب "واقيًا ذكريًا" وعلبة مرهم وكراسة بالتعليمات.

إبراهيم الغربي: أشهر قواد عرفته مصر

تحكي بعض المصادر عن مذكرات الميجور توماس راسِل، حكمدار بوليس العاصمة عام 1917م، الذي يحكي عن شخص يدعى إبراهيم الغربي، الذي جاء إلى مصر من أسوان في أواخر القرن التاسع عشر بعد انتهاء تجارة الرقيق على يد الخديوي إسماعيل. عمل في الدعارة في القاهرة، ويؤكد الميجور راسِل أنه في غضون أعوام قليلة امتلك إبراهيم الغربي أكثر من 15 بيتًا في أماكن مختلفة، ويعمل لديه أكثر من 150 فتاة. يصف الميجور راسل إبراهيم الغربي بأنه كان مخنثًا وكريه المنظر: "نوبي ضخم الجثة سمين. كان يُشاهد كل مساء جالسًا على مقعد خارج منازله بشارع عبدالخالق، واضعًا ساقًا على ساق، مرتدياً ملابس النساء ومنقبًا بنقاب أبيض. كان هذا الفاسد الكريه يجلس كالصنم الأبنوسي الصامت، ويُخرج في العادة يدًا مغطاة بالمجوهرات ليُقبلها أحد المارة من المعجبين، أو مُعطياً أمرًا صامتًا لأحد أتباعه من الخدم. كان لهذا الرجل سلطة مذهلة في البلاد. امتد نفوذه ليس فقط في عالم الدعارة، ولكن أيضًا في محيط السياسة والمجتمع الراقي. كان شراء وبيع النساء في كل من القاهرة والأقاليم في يد الغربي كلية، ولم يكن قراره بالنسبة للسعر يقبل المناقشة."


ويذكر الميجور راسِل أيضًا أنه عندما توفي إبراهيم الغربي في السجن عام 1926م، ترك وراءه 54 منزلًا بقيمة تزيد عن 50 ألف جنيه (بقيمة عشرينيات القرن الماضي)، وكمية من الأساور (165 سوارًا)، ولآلئ، وماس، وتاج من الذهب كان يلبسه، قُدر بمبلغ 3 آلاف جنيه (أيضًا عام 1926م)، وبدلة تشريفة من خيوط ذهبية كانت قيمتها 500 جنيه.

كازينوهات عماد الدين: وجه آخر للدعارة المقننة

في الربع الأول من القرن العشرين، بدأت كازينوهات (أو تياترات أو كباريهات) شارع عماد الدين تصبح مكانًا جديدًا لاصطياد زبائن جدد. وظهر نوع جديد من صور الدعارة من حيث أن العاملين في هذا المجال أصبحوا يعملون فنانين وراقصين في هذه الأماكن، والدرجة الثانية تكون فتيات وظيفتهن إغراء الزبائن "لفتح" المشروبات والخمور مقابل أجور مبالغ فيها، أو مراقصة الزبائن بأجر. هذا التطور جاء نتيجة لرفض المجتمع لوجود الداعرات لدرجة جعلتهن يستعرن من أصلهن، فكان لابد من تغيير الشكل العام. وبهذه الطريقة، ظهرت صورة عصرية أكثر للمواخير التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر. كان أكثر رواد هذه الأماكن من الأجانب وبعض الطبقات الراقية، وهؤلاء بالطبع كانوا زبائن مثاليين لممارسة الدعارة، وكان العائد المادي منها كبيرًا.

بيوت الدعارة وموقف "وطني" !

خلال أحداث ثورة عام 1919م، يسجل بعض المؤرخين أن بيوت الدعارة المصرية رفضت استضافة جنود الاحتلال وتقديم أي خدمات إليهم. إلى جانب ذلك، كان القوادون والبلطجية من حماة أحياء ومناطق الدعارة يمنعون دخول العساكر الإنجليز إلى البيوت، ويسجلون هذا الموقف كنوع من الوطنية. هذا دفع سلطات الاحتلال إلى استيراد فتيات من روسيا وأوروبا الشرقية وغيرها للترفيه عن جنودهم، بينما منعت الفتيات والسيدات البريطانيات من امتهان الدعارة في مصر. شيئًا فشيئًا، أصبحت القاهرة مركزًا عالميًا لتوريد وتجارة الرقيق الأبيض في النصف الأول من القرن العشرين.



نهاية الدعارة المقننة في مصر

في فترة الثلاثينيات والأربعينيات، بدأ الوازع الديني يزداد لدى الناس مع تنامي نشاط الجمعيات الدينية مثل جماعة أنصار السنة، والجمعية الشرعية، والإخوان المسلمين وغيرها، مما أحرج موقف الأزهر فبدأ هو أيضًا يقوم بدوره. ساعد هذا بالطبع على ازدياد جبهة الرفض لعملية الدعارة المقننة تحت سمع وبصر الدولة، بل وحتى استفادتها وتحصيل الضرائب منها. بدأت الناس تطلب من نواب الشعب في البرلمان أن يحدوا من قانونية الدعارة في مصر، فجاءت جهود النائب المخضرم سيد جلال، نائب عن باب الشعرية، والتي تضم شارع كلوت بك أحد معاقل الدعارة في القاهرة. في عام 1949م، تُكللت جميع الجهود بالنجاح بصدور مشروع قانون للحد من الدعارة، ويتم إقراره في البرلمان ليصدر عام 1951م القانون النهائي للآداب العامة، الذي تسير عليه مصر حتى اليوم، والذي يعتبر أي صورة من صور الدعارة جريمة يستحق فاعلها السجن. بعد ثورة 1952م ورحيل الملك وبداية عصر الجمهورية، في عام 1958م، أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرارًا بإلغاء الدعارة في سوريا ضمن حكومة الوحدة، لتنطوي بالكامل صفحة الدعارة المقننة في مصر وسوريا، وتبدأ صفحة جديدة من الدعارة غير المقننة التي يطاردها بوليس الآداب في كل مكان.



الدعارة في الوقت المعاصر

في الوقت المعاصر، تدار الدعارة من خلال شبكات لاصطياد السياح الأجانب في الفنادق والأماكن السياحية، وبشكل مستتر وبعيد عن أعين الشرطة، التي بطبيعة الحال لا تتدخل الأماكن السياحية إلا بتحريات وإخباريات مؤكدة، وهذه تكون قليلة جدًا حرصًا على السياحة. وعلى النطاق الشعبي، موجودة أيضًا في صورة مواسم في المصايف بالإسكندرية والساحل الشمالي، وأغلب أوقات الشتاء وبقية العام بالقاهرة والأقصر وأسوان. ولكنها أيضًا مطاردة من شرطة الآداب ومجرمة، وتقارير الأمن السنوية تتحدث عن أعداد كبيرة جدًا من الفتيات يتم ضبطها كل عام، مما دفع البعض في العصر الحديث إلى المطالبة بإعادة تقنين الدعارة للسيطرة عليها، مثل المخرجة المثيرة للجدل إيناس الدغيدي، التي تقول إن تقنين الدعارة يكون أدعى لعدم تفشي الأمراض السرية. لكن في الواقع، منذ زيادة الوعي الديني بين الناس من فترة السبعينيات أيام حكم الرئيس الراحل أنور السادات وحتى الآن، لم يعد المجتمع يقبل بحماية الدولة للمومسات والغواني بأي حال من الأحوال. ويعتبر المطالبة بهذا الكلام نوعًا من الانتحار الأخلاقي والاجتماعي، وأكبر دليل على ذلك رد الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الميديا.


وإذا كانت رعاية الدولة قد زالت عن الدعارة الجسدية، فهي للأسف لا تزال موجودة وترعى أنواعًا أخرى من الدعارة أخطر وأشد تأثيرًا على المجتمع، كالدعارة الإعلامية والدعارة السياسية، والتي تدمر المجتمع تدميرًا سريعًا وتترك فيه أثرًا لا يحدثه جيش من المومسات والعاهرات.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)