مزج مياه ثلاثة أنهار فوق قمة الهرم الأكبر يغير السياسة البريطانية تجاه مصر

طارق الشافعي
كتب
0
كان من أهم موارد الثروة في مصر خلال العصر المملوكي هو الطريق التجاري من أوروبا للهند، وما يدخل البلاد من بضائع ومؤن، حتى نجحت البرتغال في تحويل ذلك الطريق بالقوة الى رأس الرجاء الصالح عام 1509م. كما نشطت أعمال القرصنة أو "الجهاد البحري" قبالة الساحل الجزائري تهدد السفن الأوروبية، كما سطت قبائل الأعراب على التجارة القادمة لميناء السويس فكانت نهاية ذلك الطريق الذي شهد أياما عظيمة.


وظلت أوروبا تتواصل تجاريا مع الهند على مدار ثلاثة قرون أو أكثر عبر طريق رأس الرجاء الصالح، حتى تنامى النفوذ الإنجليزي، وصار مهيمنا على أغلب شبه القارة الهندية بخيراتها ومواردها، كما فرض سيطرته على غالبية مواني بحر العرب والخليج العربي، وعدن (اليمن)، وكان من الطبيعي ان يفكروا في إعادة إحياء طريق البحر الأحمر من جديد، بوصفه أقصر من طريق "الرأس" وأكثر عمارا وحيوية. وقد كلفت الحكومة الإنجليزية سفيرها في مصر جورج بلدوين للعمل على إعادة إحياء ذلك لطريق، فذهب للآستانة (إسطنبول)، ونجح في الحصول على إذن من الباب العالي أو السلطان بحُرية الملاحة في البحر الأحمر، وعاد للقاهرة ومعه وزير التجارة في حكومة بلاده قادما من لندن، وحاكم كلكتا الإنجليزي قادما من الهند، وصعد الثلاثة إلى قمة الهرم الأكبر، باعتباره رمزا لمصر في الثقافات الأوروبية المختلفة، ومعهما ثلاثة قوارير تحمل ماءا من أنهار النيل والتايمز والكنج (أحد أنهار الهند)، ومزجوا القوارير الثلاثة وشربوا منها جميعا نخب تدشين مشروعهم الجديد لتوسيع نطاق التجارة البريطانية عن طريق مصر. وفي عهد محمد علي باشا، تولى قنصل إنجلترا العام هنري سولت، والذي نجح بمعاونة المستر برجز أحد أكبر التجار الانجليز في اقناع والي مصر بمعاودة التجارة مع الهند من جديد، ولاقى ذلك الاقتراح هوىً في نفس "الباشا"، والذي أوفد سفنا لكلكتا ومُمباي كأول فوج بحري رسمي، وابتاع فعلا بعض البضائع الهامة التي قد تلقى رواجا في السوق المصري، ولكن لبُعد المسافة ومشقة السفر بالنسبة للمصريين، لم تُجدى الرحلة مكسبا كثيرا فلم يتشجع الوالي لتكرارها، فلم يكن أمام انجلترا الا ان تتولى مسئولية تشغيل طريق التجارة الجديد  ان ارادت ذلك، بمعرفتها وعلى عاتقها وحدها. 


وتنافس النفوذ الإنجليزي والفرنسي في مصر على السيطرة على طريق التجارة الجديد، فأوفدت فرنسا قنصلها العام برناردينو دروفيتي لمحمد علي يفاوضه في إرسال البريد الخارج من مصر لأوروبا عبر ميناء مارسيليا، في حين عرض عليه سولت قنصل إنجلترا تولى أمر ذلك البريد بالسفن الانجليزية، خاصة بعد أن عمَّ الأمان في ربوع وادي النيل بفضل إصلاحات محمد علي باشا، وبعد ضغوط وإلحاح نجح الانجليز في اقتناص البريد والهيمنة على طرق التجارة، من القاهرة للسويس ومن القاهرة للإسكندرية، وقدمت المعونة للوالي لبناء رصيف بحري جديد بالإسكندرية، لانزال البضائع من السفن مباشرة بدلا من الأنزال في قوارب في عرض البحر، ومثيله في ميناء السويس، وكذلك تمهيد الطريق البري وتعبيده لتسير عليه العربات التي تجرها الجياد، ولاحقا عرضت إنجلترا تنفيذ أول خط سكه حديد بين السويس والقاهرة عام 1834م، ولكن تدخل النفوذ الفرنسي وحال دون تنفيذ المشروع، لا لشيء الا لتعطيل المصالح الانجليزية ان لم تكن لفرنسا استفادة او منفعة منها، في حين عرض أحد الخُبراء الفرنسيين من جماعة السان سيمون على محمد علي باشا مشروع قناة لربط البحر الأبيض بالبحر الأحمر، ولكي لا تُهيمن عليها الحكومة الفرنسية، تدخل الانجليز ليرفض محمد علي باشا بحجة ان القناة ستجر مزيدا من المشاكل الى وادي النيل. 
 

وفي أكتوبر عام 1845 ابحرت سفينة انجليزية تحمل بريداً من مُمباي (الهند) قاصدة ميناء السويس، فوصلتها بعد 19 يوما، ثم نقل البريد برا الى الإسكندرية مستغرقا يومين اثنين، وعبر البحر انتقل البريد الى لندن خلال تريتست ونهر الراين والبلجيك واستغرق اثني عشر يوما، فكانت الرحلة بالكامل تفوق الشهر بأياما قليلة، ومن ثَم كان نجاح المشروع وتمسك الانجليز به والعمل على دعمه بكل الوسائل. في الوقت الذي تحركت فيه فرنسا بشكل إيجابي واستطاعت عن طريق فردناند دليسبس إقناع محمد سعيد باشا الوالي بالموافقة على امتياز حفر قناة السويس، مما يدعم الوجود الفرنسي بمصر، ولما فشلت انجلترا عبر نوبار باشا، كما يروي لنا ذلك الاخير في مذكراته، في اقناع سعيد باشا برفض المشروع الفرنسي، تدخلت لاحقا لدى الخديوي اسماعيل لشراء نصيب مصر في أسهم القناة بالكامل، بعد توريطه في الديون، فتقاسمت الدولتين النفوذ او السيطرة على الشريان الملاحي الحيوي المار من مصر، وبالتالي تغيرت السياسة الاستعمارية البريطانية تجاه مصر، وعملت على زيادة نفوذها السياسي والاقتصادي بها إلى أن نجحت في احتلالها عسكريا في 1882م، وإعلان الحماية عليها عام 1914م.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)