التاريخ الحقيقي والتاريخ المزيف وجدل لا ينتهي!

طارق الشافعي
كتب
0

 التاريخ علم اكاديمي، يتم دراسته في المدارس والجامعات بدرجات متفاوته، ففي المدارس الابتدائية يتلقى التلميذ قشور المعلومات التي تتيح له معرفة الخطوط العريضة من تاريخ بلاده، بما يتناسب مع ذهنه واستيعابه في تلك المرحلة، وفي المراحل الاعدادية والثانوية تتسع المعرفة بما يتناسب مع اتساع ذهنه ونمو عقله وادراكه، وفي المرحلة الجامعية اذا تخصص في التاريخ فيبدأ في تلقى علما اضافيا يتعلق بأسلوب البحث التاريخي، والذي يهتم بدراسة الروايات التاريخية ومن رواها، نبذه عن حياته وزمنه وتوجهاته وانتماءاته الفكرية والدينية، تماما مثلما يدرس طلاب الفقه علم الحديث الشريف، مع الفارق طبعا. وعليه يكون الطالب قادرا على التعامل مع أي رواية تاريخية، فيخضعها لأسلوب البحث والدراسة الذي تعلمه. أيضا يتعلم كيفية الربط أو التكامل مع علم الآثار في قراءة واستنباط العناصر المكتشفة وأزمانها ومدى تكاملها مع الرواية الرسمية، أو الفرضية التاريخية المقبولة لتلك المرحلة من الزمن، وكيف أن قطعة اثرية ما أو عملة معدنية أو جدارية تم اكتشافها في مكان مهجور، ألقت الاضواء على حقبة مجهولة من التاريخ، او تسببت في تعديله، او ان شئنا الدقة تعديل الفرضية التاريخية المقبولة والمتعارف عليها لتلك المرحلة. ومن ثَم يُقال على التاريخ علما أكاديميا وليس مجرد روايات نتناقلها جيلا بعد جيل. في مرحلة الماجستير والدكتوراة يبدأ الطالب في إعداد بحث يتعلق بمرحلة تاريخية معينة أو حدث تاريخي كبير قائم بذاته مطبقا عليه اسلوب البحث التاريخي الذي تعلمه من قبل، مضيفا إليه نظرته الشخصية للأمر ومدى تكاملها مع الحدث التاريخي القديم، باشراف استاذ اكبر منه خبرة ومعرفة في ذات العلم، ويخضع بعدها لمناقشة مجموعة من المتخصصين في بحثه او اطروحته، فلو اجتاز الطالب كل هذا بنجاح يعتبر اساتذته ان مجهوده ودراسته اضافة جديدة للعلم، وعليه يتم منحه درجة الماجستير او الدكتوراة ونشر ابحاثه للاستفادة منها.



مع ذلك العلم الاكاديمي، يوجد للتاريخ جانبا آخر مزيف، لا يعتمد على أي رواية تاريخية قديمة، ولا يخضع لأي أسلوب دراسة أكاديمي خاضع لمراجعة من اساتذة المادة كما وضحنا سابقا، ولكن يعتمد على معلومة وهمية او غريبة روج لها البعض، ولغرابتها قد تستحسنها بعض الاذهان، ومن تكرارها عبر عديد من الوسائط تصبح لدى البعض لحقيقة غير قابلة للنقاش! فتطغى على الرواية الرسمية او الموضوعية التي تتناول تلك الحقبة او هذا الامر من التاريخ مثل النظريات الوهمية عن بناء الأهرامات والتي ترجع وجودها لعشرات الآلاف من السنين، مما يخرج بها عن نطاق الحضارة المصرية القديمة. وقد يشطح العقل فينسب بنائها او وجودها لبعض الكائنات الفضائية التي هبطت واختارت من كوكب الارض كله تلك البقعة لتبني فيها أهرامات. وقد ينسب آخرون بناء الأهرامات لقوم أطلقوا عليهم اسم "العماليق"، في محاولة لربط الأذهان بينهم وبين روايات بعض القصص الدينية عن قوم عاد وثمود الذين خلفوا لنا مدنا واثارا "لم يُخلق مثلها في البلاد"! وأنهم اقتطعوا احجارها العملاقة من صخور الجبال، وكانت مبانيهم مثل "الأوتاد" في اشكالها وصلابتها وثباتها. والغريب ان علم التاريخ الاكاديمي قدم فرضية لبناء تلك الأهرامات مؤيدة بكثير من الشواهد والأدلة الاثرية المقبولة من كثير من المتخصصين، ولكن حين يتم روايتها جنبا الى جنب مع تلك الروايات المزيفة نجد ان تلك الاخيرة تلاقي استحسانا ورواجا من الكثير، فينصرفون عن الحقيقي ويقبلون على المزيف، الى ان يصبح مع الوقت الحقيقي مزيفا والعكس صحيح!



نفس الشيء حين نتحدث عن اللغة المصرية القديمة، نجد من ينسبها الى احد انبياء الله، عليهم السلام، وبعد انتهاء العمل بها لالاف السنين يدعون ان بعض الدارسين العرب في القرن الرابع الهجري كانوا قادرين على قراءتها وفهم معانيها، دون ان يقدم أولئك الدارسين ما يثبت ان لديهم علما ينتفع به في مجال الآثار أو المصريات. ويجادلون من لا يقبل ذلك بدعوى انه يروج لفكر اجنبي او انه من بقايا المستعمر الرافض للثقافة المحلية او الدينية الرائجة. أما حينما نتحدث عن فرعون موسى، فإننا نجد أن علم التاريخ الأكاديمي الحقيقي يتوارى تماما، بينما يتوحش التاريخ المزيف، في ظل مزايدة البعض لإعادة تفسير النصوص الدينية بشكل يضرب كل العلوم الاكاديمية في مقتل! ويستتر أو يتدرع خلف قدسية النصوص مهاجما من يصحح له كلامه، ولا يدري، او قد يتجاهل عن عمد، أن الأمر قد لا يتعدى تفسيرا خاطئا منه او فهم غير صحيح لسياق الآيات او النصوص المقدسة. نفس الشيء نجده في سعي افراد حركة "الأفروسنتريك" او المركزية الافريقية الدائم للسطو على الحضارة المصرية، ومحاولة سرقتها من أصحابها الأصليين ونسبتها إليهم بشتى السبل، وقد يستخدمون في ذلك الوسائل الحديثة في تعديل الصور أو صناعة الأفلام بالذكاء الاصطناعي، ويعتمدون على جودة أو غرابة المادة التي يقدمونها في الرواج والقبول بين الناس.




قالوا قديما ان الكذبة يتم ترديدها 99 مرة، وفي المائة تصبح حقيقة وما سواها هو الكذب! وهذا ما ينطبق على علم التاريخ المزيف تمام الانطباق، ففي ظل رواج مواقع التواصل الاجتماعي، وسهولة تبادل وتناقل المعلومات بها، وايضا لجوء عديد من روادها لكثير من روايات التاريخ المزيف سعيا وراء التفاعل والانتشار، الامر الذي جعل من رواج روايات التاريخ المزيف حقيقة لا جدال فيها ولا مناقشة. فيخفت صوت من يتحدث بالحق او يحاول ان يصحح بعض الاخطاء، لا يرجو من ذلك الا دفاعا عن علم هو درسه واكتسبه على مدار عشرات السنين، ويصعب عليه ان يتم تشويهه عن عمد او لأغراض سياسية او دينية.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)