هل حقا اضطهد العثمانيون الأجناس الأخرى قُبيل الحرب العالمية الأولى؟

طارق الشافعي
كتب
0
أحد أهم الأسباب التي يبرر بها البعض الثورة العربية ضد الحكم العثماني، أن العثمانيين ، لا سيما أعضاء الإتحاد والترقي، أصحاب النزعة القومية في تركيا قد همشوا العرب تماما من كل المناصب الإدارية التي في الحكومة المركزية في اسطنبول او حتى في بلادهم! فكانت الثورة رد فعل طبيعي للخلاص من الترك ونزعتهم الاستعلائية.

ويرد محبو العثمانيين، من يرون فيهم الظل الاخير الذي أظل المسلمين قبل تفرقهم إلى دول وشعوب مختلفة، إن العثمانيين دولتهم نشأت خارج الأراضي العربية، وتنامت وصارت دولة عظمى بعيدا عن العرق العربي، بعكس دولة المماليك مثلا أو الأيوبيين التي أسسها غير العرب عرقيا ولكنهم حكموا المنطقة العربية، فاستخدموا العرب في بطانتهم ووزرائهم واصحاب العمامة والقلم. بالنسبة للعثمانيين الأمر يختلف، فعندما اتجهوا لاحتلال الاراضي العربية وضمها إلى دولتهم، كانت يومئذ دولة كاملة مكتملة، لا تشكل العناصر العربية بالنسبة لها اي إضافة، إلى جانب اختلاف الثقافة واللغة. فسلطان المماليك مثلا كان يتحدث التركية ولكنه كان يفهم العربية إلى حد كبير، وقد يتحدثها بطلاقة مثل السلطان قايتباي والغوري وطومان باي، ولكن سلطان العثمانيين لا يعرف العربية إلا قليلا، وبعضهم لا يعرف فيها حرفا واحدا! فما الداعي لاعتماده إذن على العناصر العربية في بلاطه وأركان دولته؟


ونقول، إن هذا قد يكون مفهوما ومقبولا خلال القرن السادس عشر الميلادي، ولكن ان يستمر حتى بدايات القرن العشرين حيث تغير العالم كليا، وبدأت روح القومية تسري بين الأمم، بنفس القدر الذي تسري به أفكار التحرر والاستقلال، فكان يجب على الإدارة العثمانية أن تُغير من فكرها إن أرادت أن تحتوي تلك الأعراق العديدة التي يتألف منها نسيج المواطنين في دولتها الكبيرة، ولكن هذا لم يحدث! حاول السلطان عبد الحميد الثاني أواخر القرن التاسع عشر إعلاء فكر القومية الاسلامية، ردا على دعوات القومية التركية التي اطلقها أعضاء جماعات الإتحاد والترقي وتركيا الفتاة، كما شرع في ربط الحجاز وبغداد باسطنبول بخطوط سكه حديد، وهذه ولا شك إرادة في التقارب بين أطراف بلاده، كما كانت له رغبة في تأسيس جامعة إسلاميه كبيرة تقدم العلوم لكل المسلمين، الفكرة التي اشار عليه بها الشيخ سعيد النورسي، ولكن يد القوميين كانت أطول وصوتهم كان أعلى من السلطان، فما إن تم الانقلاب عليه عام 1909م حتى انتهى بالفعل كل ما هو غير تركي في اسطنبول! كما عومل العرب في الجيش العثماني معاملة سيئة، انتهت بالوصم بالخيانة والاعدام رميا بالرصاص من قبل أحمد جمال باشا والي سوريا (جمال باشا المجنون) قائد حملة ترعة السويس عام 1915م. فكانت النتيجة هزيمة الأتراك أمام قوات التحالف خلال الحرب العالمية الأولى في العراق والشام واسطنبول نفسها. كما خسرت الدولة العثمانية في معارك الشام وحدها ثلاثة جيوش بعتادها وقواتها التي وقع أغلبها في الأسر أو هامت على وجهها في الصحراء. لا لإنهيار خطوط الإمدادات فحسب، ولكن لأن كل من كان في سوريا حتى الحجر والشجر كان يقاتل ضد العثمانيين.


أراد العثمانيون بخوضهم تلك الحرب إلى جانب الألمان ان يجددوا شباب الدولة، ويمدون في عمرها مائة عام أخرى او مائة وخمسون! وهم لا يعلمون أن انحيازهم للقومية وتهميشهم للعناصر الأخرى من بلادهم سيقضي عليهم ويعجل بنهايتهم..

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)