جمال باشا السفاح يقود حملة عثمانية لاستعادة مصر من الإنجليز.. "سفر برلك"
كتبطارق الشافعي
يوليو 03, 2023
0
في عام 1914 اعلنت إنجلترا الحماية البريطانية على مصر وانتزاعها من سلطة الدولة العثمانية، وذلك بغرض تأمين مرفأ قناة السويس حال قيام الحرب العالمية الاولى وبذلك تضمن اتصالها المباشر بمستعمراتها في الهند واستراليا. وقابل الأتراك هذا القرار بالرفض، حيث أعلن السلطان محمد رشاد (خليفة المسلمين) أن الجهاد ضد البريطانيين فرض عام على كل مسلم، فيما يعرف بالسفر بيرلك Seferberlik أو النفير العام، واستطاع حشد أكثر من 18 الف مقاتل في حملة هدفها المعلن هو استعادة مصر من الاحتلال البريطاني، وهدفها الحقيقي هو السيطرة على ترعة (قناة) السويس، وقطع اتصال بريطانيا مع مستعمراتها في الهند واستراليا فيكون ذلك نقطة هامة في سبيل اضعاف قوتها في الحرب، فيسهل السيطرة عليها في اوروبا.
وارتأت السلطات العثمانية تعيين قائد كبير يفرض سلطته القوية على منطقة بلاد الشام ومصر، فعينت عام 1915 م واليا جديداً على سوريا خلفاً للوالي خلوصي بك، هو أحمد جمال باشا Ahmed Cemâl Paşa الملقب بالسفاح. والذي تولى قيادة الجيش الرابع التركي لعبور قناة السويس واسترجاع مصر. وفي ليل 2 فبراير 1915 اخترق صحراء سيناء التي كانت حينها تفتقر لطرق المواصلات الممهدة، فكانت القوات العثمانية تصل إلى القناة منهكة القوى، لتحصدها مدافع البوارج البريطانية الموجودة في القناة أو القوات البريطانية التي تتحصن على الضفة الغربية للقناة بمدافعها ورشاشاتها، ومع أن بعض السرايا القليلة استطاعت عبور القناة لناحية الغرب، إلا أن الهجوم الذي عرف في بعض المراجع بحملة ترعة السويس Raid on the Suez Canal قد فشل فشلا ذريعا، راح ضحيته أكثر من 2000 جندي اضافة الى 500 اخرين وقعوا في اسر البريطانيين، وتشتت الباقي في صحراء سيناء، ولم ينج من الجيش الرابع التركي إلا القليل. وعلى الرغم من فتوى الجهاد التي أعلنها السلطان، إلا أن الحملة فشلت في إثارة جموع المصريين ضد بريطانيا. فما كان امام السلطان العثمانية بعد ذلك الا إرسال باقي المجندين العرب إلى أوروبا للقتال في الحرب العالمية الأولى.
وفي دمشق، ولكي لا يتهمه احد بالتقصير او يحمله مسئولية فشل الحملة، صب أحمد جمال باشا جام غضبه على الضباط العرب بالجيش العثماني، واتهمهم بالخيانة وحملهم مسؤولية إخفاقه، فعمل على استبدال الكتائب العربية في بلاد الشام بكتائب غالبية جنودها من الأتراك، وفصل الضباط العرب البارزين من وظائفهم وأرسلهم إلى مناطق بعيدة، وأخذ باعتقال الزعماء الوطنيين والمفكرين العرب والتنكيل بهم وتعذيبهم حتى الموت، وقد كانت باكورة هؤلاء، إعدام عدد من المناضلين بأحكام عرفية باطلة في عدد من المناسبات في ساحة الشهداء في بيروت، وساحة المرج في دمشق. ولم يقبل جمال باشا فيهم شفاعة أو رجاء من أحد، مما جعل قراره هذا حدا للوجود العثماني في الاراضي العربية، فانضم كثير منهم لما عرف لاحقا بالثورة العربية الكبرى Arab Revolt، كما أثروا الحياد حينما اجتاحت القوات البريطانية والفرنسية فلسطين وسوريا نهاية الحرب العالمية الاولى، وتركهم الجميع يواجهون مصيرا محتوما، أما جمال باشا فكانت نهايته مريرة، إذ تم اغتياله في مدينة تبليسي عام 1921 م على يد أرمني يدعى اسطفان زاغكيان، وقد روي عن طلعت بك زميل جمال باشا في جرائمه أنه خاطب زميله هذا بقوله: "لو أنفقنا كل القروض التي أخذناها لستر شرورك وآثامك لما كفتنا.
وتُمثل أيام السفر برلك، خلال الحرب العالمية الأولى، إحدى أوجاع الإنسان العربي في المشرق، ومازالت ذكراها راسخة في أذهان أهالي بلاد الشام والمدينة المنورة حتى الآن، فقد قامت الدولة العثمانية بالتجنيد القسري لأهالي بلاد الشام والمدينة المنورة وتم مطاردة الفلاحين وأهل القطعان وحتى الصبيان الذين اقتربوا من سن الرشد، حيث تم إرسالهم للقتال في أوروبا بعد فشل الحرب في قناة السويس. مما سبب إهمالاً للزراعة وعناصر الحياة الضرورية، فانتشر الفقر والبؤس والجهل في المشرق العربي. إن ذكرى (أيام حرب السفر برلك) والقصص المروعة خلالها طوال ثلاث سنوات فقد كانت القوات العثمانية تفتش القرى والمدن والبوادي، لترسل الشبان والرجال وحتى الشيوخ ورعاة الشاة إلى أتون تلك الحرب.