سعيد النورسي بديع الزمان الذي "طلَّق" السياسة طلاقا بائنا

طارق الشافعي
كتب
0
سعيد النورسي المعروف ببديع الزمان، عالم دين ومفسر وفيلسوف وكاتب من أصول كردية، من مواليد نورس من بلاد الاكراد جنوب تركيا الحالية عام 1876م ونشأ على دراسة العلوم الشرعية وحفظ القرآن منذ طفولته، وكان يستوعب كل ما يقدم له من علم، بل وكان نهما في تحصيل المزيد.


ولذلك ظل يرتحل من مدينة لمدينة ومن بلد إلى آخر حتى حفظ ما يقرب من تسعين كتابًا من أمهات كتب الفقه والحديث والتشريع. وبدأ في نشر ما تعلمه عبر مجالس العلم بالمساجد، فذاع صيته وتفوقه على عديد من الشيوخ وقتها. وفي عام 1897م ذهب إلى مدينة وان، وانكب فيها على دراسة كتب الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ حتى تعمق فيها إلى درجة كبيرة، فأطلق عليه بعض تلامذته "بديع الزمان" لذكائه وعلمه واطّلاعه. ثم سافر عام 1907م الى اسطنبول، وتعرف على مزيد من مشايخ الإسلام هناك، وهناك تبلورت في ذهنه فكرة برنامج إصلاحي سياسي اجتماعي متكامل للأمة الإسلامية، فذهب الى السلطان عبد الحميد الثاني وعرض عليه فكرة انشاء جامعة إسلامية كبيرة شرق الاناضول اسمها مدرسة الزهراء (على غرار جامعة الازهر بمصر)، تكون الدراسة فيها بالمجان لكل أبناء العالم الإسلامي وليس تركيا فحسب، وتُدمج فيها دراسة العلوم الشرعية مع العلوم الدنيوية الحديثة، وأعجب السلطان بالفكرة ولكن حال انقلاب عام 1909م دون تنفيذها، فلما سيطر القوميين بزعامة اتاتورك على مجريات الامور في الدولة فقد النورسي الامل في تنفيذ فكرته، فسافر الى دمشق عام 1911م وهناك عرض الفكرة على مزيد من علماء المسلمين العرب والاتراك، والذين ايدوها واعتبروها برنامجًا سياسيًا واجتماعيًا متكاملاً ومفيدا للأمة الإسلامية. قصد النورسي الى تكوين رأي عام اسلامي مؤيد لفكرته قبل ان يعود بها لاسطنبول لمواجهة القوميين الجدد. 
 
 

وكان اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م عقبة اخرى في سبيل النورسي وحلمه، ولكنه اختار ان يواجه ذلك بأسلوب مختلف. شكل سعيد النورسي وبعض من تلامذته كتائب جهادية ذهبت الى جبهة القوقاز لمواجهة جيوش الروس، و الذين اعتبرهم اعداء للامة، وان جهادهم فرض واجب يلتمس به الثواب من الله عز وجل. ولكن هناك وقع الجميع في أسر القوات الروسية، وقادوهم الى سيبريا حيث ظلوا هناك لأكثر من عامين في الأسر، حيث قلة الطعام والعلاج لكثير من جرحاهم، حتى انفلت عقد الجيش الروسي بعد الثورة البلشفية عام 1918م في لحظة وجد سعيد النورسي ومن معه انفسهم احرارا، فعادوا إلى إسطنبول حيث استقبلهم السلطان وشيخ الإسلام وعدد كبير من تلامذة ومحبي الشيخ، وتم منحه وسام الحرب الأعظم، واسند اليه عديد من الوظائف الرفيعة، كان يقصد ان يمنحه راتب يضمن له تقاعدا مريحا، ولكن النورسي رفض كل ذلك، فيما عدا عضويته بـ«دار الحكمة الإسلامية»، التي كانت لا توجه إلا لكبار العلماء، فنشر في هذه الفترة عديد من المؤلفات باللغة العربية لتنتشر في المنطقة العربية، منها تفسيره القيم «إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز» الذي ألف جزء كبير منه في الأسر، و«المثنوي العربي النوري». بعدها عاصر النورسي احداث نهاية الحرب العالمية الأولى، وهزيمة الدولة العثمانية ودخول الحلفاء لاسطنبول، وقتها قال النورسي إن طعنة كبيرة وُجهت إلى الإسلام، وسارع إلى العمل الجهادي من جديد واعداد مزيد من الكتائب لمواجهة قوات الحلفاء، وفي نفس الوقت تحرير كُتيب «الخطوات الست» ليُحرك به همة تابعيه بوضع خطة لرفع المهانة وإزالة عوامل القنوط، التي ألحقتها الهزيمة بالدولة العثمانية والمسلمين بشكل عام. ثم عاصر أحداث ارتفاع شأن القوميين بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، وما اتخذوه من إجراءات لإنهاء الدولة العثمانية والخلافة، وإقرار مبادئ العلمانية في تركيا الحديثة، فثارت ثائرة الشيخ وقرر المواجهة بشدة، وكانت رؤية القوميين الى عدم اعتقاله ومحاكمته، كما فعلوا مع كثير من معارضيهم، ولكن تحديد اقامته في بيت بعيد في مدينة بارلا جنوب غربي الأناضول، وكذلك منعه من الكتابة والجلوس مع أحد عام 1926م.


وبعد فترة غير قصيرة، قُدّم خلالها النورسي للمحاكمة ست مرات دون إدانة، أدرك الشيخ بعدها ان المواجهة مع نظام عسكري ديكتاتوري لن تُجدي، بل ستحرمه من نشر علمه ومعرفته للمزيد، فلا يمكنه خدمة الدعوة بالدخول في مُعترك السياسة وصراعاتها، خاصة بعد أن أُغلقت المدارس الدينية، وعديد من الجوامع والمساجد. وهنا بدأت مرحلة جديدة في حياته عرفت باسم "سعيد الجديد" أو يگي سعيد Yani Said كما يسموها بالتركية، حيث كان من رأى الشيخ أن يصرف اهتمامه للنواحي الإيمانية والاعتقادية ليفوّت على من اسماهم بـ"أعداء الإسلام" كل فرصة أو حجَّة للوقوف أمام نشاطه، فإنه إن لم ينشأ في تركيا جيلا جديدا مؤمنا بالله ورسوله من قلبه فإن كل ما قدمه وسيقدمه الشيخ وغيره سيكون هباءاً منثورا. ومن ثَمّ أعلن الشيخ سعيد النورسي انه قد طلّق الحياة السياسية طلاقا بائنا، تحت شعاره المعروف (أعوذ بالله من الشيطان والسياسية)، وأخذ على عاتقه مسألة "إنقاذ الإيمان"، وبدأ في نشر مؤلفاته المعروفة بـ"رسائل النور".


وأخيرا، وبعيدا عن دائرة الأضواء، توفي سعيد النورسي في مارس عام 1960م، وتم دفنه في مدينة أورفا (الرها). ولكن السلطات التركية لم تدعه في قبره! فعندما علمت أن عددا من تلامذته كانوا يزورون قبره ويقرأون له الفاتحة، كعادة كل المسلمين في جميع انحاء العالم، قاموا بعد أربعة أشهر من وفاته بنقل رفاته بالطائرة إلى جهة مجهولة، وهدم قبره  وازالة معالمه، قبل ان يتحول إلى مزار كبير، مما يتنافى مع مبادئ العلمانية المُعلنة في البلاد من قبل، وبعدها أعلنوا حظر التجوال في أورفا كلها، فأصبح قبره مجهولا إلى الآن لا يعرفه الناس.


إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)