زرياب المطرب العباسي القرطبي الذي وضع أصول الموسيقى والاتيكيت

طارق الشافعي
كتب
0
من أشهر الموسيقيين والملحنين في العصر العباسي المطرب والملحن زرياب، وهو أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، موسيقي ومطرب عذب الصوت من بلاد الرافدين، كانت له إسهامات كبيرة وعديدة وبارزة في الموسيقى العربية والشرقية. 

اكتسب زرياب لقبه لعذوبة صوته، وفصاحة لسانه، ولون بشرته القاتم الداكن، فسُمّي باسم طائر الزرياب Common blackbird وهو أسود اللون عذب الصوت يُعرف بالشحرور. ولم تتفق أغلب المصادر على تاريخ محدد لميلاد زرياب، ولكن الراجح أنه وُلد عام 777م في الموصل، ونشأ وتربى في بغداد، وكان تلميذاً لإسحاق الموصلي، كبير مطربين وموسيقيين بلاط الخليفة، إلى أن أتقن زرياب فن الغناء، وفي ذات سئم الخليفة هارون الرشيد من مطربيه، فطلب من الموصلي أن يأتي له بشادٍ جديد، فأتي له بزرياب والذي رمقه الخليفة في البداية بغير اكتراث ولكنه استمع اليه، فأنشد زرياب: 

"أيها الملك الميمون، طائره هارون، راح إليك الناس وابتكروا.." 

وحينها أُعجب به الرشيد أيما إعجاب، وطلب من الموصلي أن يكرمه ويعتني به، ولكن الموصلى داخَله الحقد تجاه تلميذه مخافة أن يحل محله ويأخذ مكانته لدى الخليفة، فهدد زرياب وخيّره إما أن يخرج من بغداد أو ليقتلنه! فخرج زرياب تجاه بلاد الشام، ومنها للقيراون بشمال إفريقيا في بلاط بني الأغلب، ومنها إلى الأندلس. حيث قصد قرطبة ليستقر في ضيافة عبد الرحمن الثاني، خليفة المسلمين في الأندلس، والذي طار به فرحاً وألحقه بحاشيته يُغنى ويعزف الموسيقى في مجلسه. وشيئا فشيئا اصبح زرياب من اقرب المقربين إلى الخليفة. الذي منحه قصراً وراتباً شهرياً ضخما، وسُرعان ما أصبح زرياب شخصاً معروفا ومشهورا، اشتهر في سائر بلاد المغرب والاندلس بزرياب بالقُرطبي. حيث أقام هو وأولاده الثمانية وأسس دار كبيرة لتعليم الغناء وللموسيقى، وتعتبر هذه أول مدرسة أسست لدراسة الموسيقى والغناء وأساليبها وقواعدها في الأندلس وأوروبا كلها.


ولم يكن أثر زرياب مقصوراً على تطوير الموسيقى والغناء بالأندلس، وتجديده فيهما، ولكنه ايضا قام بنقل أجمل ما في بغداد من مظاهر الحضارة إلى قرطبة، ومنها إلى عموم الأندلس. هو الذي نقل كثير من المراسم من قصر ومجلس الخليفة في بغداد لبلاط قرطبة، كما نقل أحسن الأقمشة وأزهى الألوان من بيوت بغداد لقرطبة، حتى فُتن الناس به وبألحانه وموسيقاه وآدابه وسعة ثقافته وتنوع معرفته. كان عالماً بالنجوم، وتقويم البلدان وطبائعها ومناخها، وتشعُب بحارها، وتصنيف شعوبها. حتى ان كل مؤرخي الأندلس تقريبا افردت كثير من صفحاتها للحديث عن زرياب ودوره في الارتقاء بالفن والذوق العام في الأندلس، حيث قالوا أنه طور أسلوب الغناء الاندلسي المعروف، وأدخل مقامات جديدة في الموسيقى الشرقية، وجعل للعود خمسة ازواج من الاوتار لزيادة نغماته، وهو اول من ضرب العود بريش النسر بدلا من الخشب. كما ادخل الزُّخرف في عديد من ألحان القصائد الشعرية، ما يُعرف اليوم بالموشحات الاندلسية.  


وفي مجال الذوق والاتيكيت، وصفه الكثير بأنه الرجل الأنيق في كلامه وطعامه. وكيف كان يلفت الأنظار في أي مجلس يحلُّ به، ولباقة حديثه، وكيف يأكل على مهل ويمضغ الطعام، وكيف يتحدث بصوت خفيض دون صخب، وكيف يشرب من القدح بهدوء وأناقة. لم يكن زرياب محبا للشراب، ولا يلتهم الطعام بنهم، ولا يحشر اللحم والأرز في جانبٍ واحد من الفم، ولم يكن يتحدث اثناء الأكل، ولا يلقى بفضلات أكله جانبا، وكان يضع على مائدته الكثير من المناديل، لليدين وللشفتين و للجبهة وللعنق، وهو أول من لفت أنظار النساء إلى أن مناديل المرأة يجب أن تكون ملونه ومعطرة. ولذلك يعتبر زرياب كشخص حلقة وصل هامة في نقل مظاهر الحضارة الإسلامية والشرقية إلى الأندلس ومنها إلى أوروبا والعالم أجمع.


تُوفي زرياب في قرطبة عام 857م. بعد أن وضع أساساً لعديد من علوم الموسيقى والاتيكيت، سرعان ما انتشرت في مدن القشتاليين الاسبان، والذين احتكوا بمسلمي الأندلس وتعلموا علومهم، ومن بلادهم عرفت طريقها لكل مدن أوروبا في وقت لاحق. ونقول أن كان في القرن التاسع الميلادي حصرا لأكثر الشخصيات تأثيرا في الآخرين على مستوى العالم، لكان زرياب في مقدمه اولئك المؤثرين، وبلا منازع. 



إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)