اسحق الموصلي مطرب البلاط العباسي الأول

طارق الشافعي
كتب
0

 اشتهر بلاط الخليفة هارون الرشيد بأنه كان يضم مشاهير الشعراء والعلماء والملحنين والموسيقيين، ليس في بغداد وحدها، ولكن في سائر بلاد الخلافة والبلاد المجاورة من غير المسلمين، منهم إسحاق بن إبراهيم بن بَهان بن بهمن الموصلي الأرجانيّ الأصل المعروف بابن النّديم الموصلي، والذي تخطى كل اقران عصره من المطربين والملحنين، حتى وصل لمكانه عالية عند الخليفة ومن أقرب المقربين إليه. عاصر عدة خلفاء منهم هارون الرّشيد والمأمون والمعتصم والواثق، وبلغت شهرته من خراسان الى بلاد المغرب والاندلس.



ولد في مدينة الري من اعمال فارس عام 767 م، قيل عنه انه من اصول يهودية، ولكن هذا ليس محل إجماع، إذ سافر مع أبيه إلى الموصل، والتي اشتهر بها فيما بعد، ليتلقى الفقه على يد هيثم بن بشير الكسائي، وتعلم التاريخ والأدب من الأصمعي، وذهب الموصلي الى بغداد ليتعلّم ضّرب العود والغناء على يد اشهر المطربات وكان اسمها عاتكة بنت شذا. ورغم معارضة والده، اشتهر الموصلي بالغناء والموسيقى، حتى أصبح من أشهر وأمهر المُغنّين والموسيقييّن في بغداد، وبلغ أعظم منزلة عند ستة من الخلفاء. في بلاط الخليفة المهدي كان الموصلي هو مطربه المفضل، ولكنه منعه من المجون والشراب، الى ان بلغه انه دخل على ولديه موسى الهادي والرشيد، وشربوا سويا! فأمر الخليفة بجلد الموصلي وحبسه، وظل بالسجن الى وفاة الخليفة المهدي وتولي ابنه موسى الهادي، فأمر باخراج الموصلي من السجن ورفعه لمكانة عاليه ومنحه 150 الف دينار مكافأة وتعويض على حبسه عوضا عنه.


وظل الموصلي على مكانته في عهد الرشيد، وكان من اقرب المقربين اليه، ايضا كان الموصلي
عالمًا باللّغة والنحو والتّاريخ وعلوم الفقه والكلام؛ كان راويًا للشّعر، حافظًا للأخبار وقد قام بتلحين أبيات شعر لم يجرؤ أحد من معاصريه على تلحينها، فلم يكن هذا مألوفا في ذلك العصر، وقد كان إسحاق على معرفة بأصول الموسيقى وأسرارها ودقائقها ويستطيع أن يختار مذاهب ومقامات الألحان والإيقاعات التي يصوغها لتتناسب مع الشعر، ويقال أنه أول من ضبط الأوزان التي تبنى عليها مقامات الموسيقى الشرقية، وميز بينها تمييزا لم يقدر عليها أحد من قبله، وقد كان إسحق الموصلي يسير على نهج مطرب أموي قديم كان اسمه معبد، فكان من مؤيدي المدرسة القديمة في الغناء، وكان في صراع دائم مع طرق الغناء الحديثة التي ابتكرها مطرب بغدادي اسمه بن جامع. شهد له افضل علماء عصره بالعلم، منهم يحيى بن اكثم قاضي بغداد، كما قال عنه أبو الفرج الأصفهاني، صاحب الأغاني:
«كان الغناء أصغر علوم إسحاق وأدنى ما يوسم به، وإن كان الغالب عليه وعلى ما يحسنه. هو الذي صحّح أجناس الغناء».


وقال عنه الخليفة المأمون:
«لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس واشتهر بالغناء لوليته القضاء، فإنه أولى وأعف وأصدق وأكثر ديناً وامانة من هؤلاء القضاة، ولكنه اشتهر بالغناء وغلب على جميع علومه، مع أنه أصغرها عنده، ولم يكن له فيه نظير».
وقال الخليفة الواثق العباسي:
«ما غنّاني إسحاق قط إلاّ ظننتُ أنّه زيد لي في ملكي».
وانشد الموصلي يمدح هارون الرشيد قائلا:
وآمرةٍ بالبُخلِ قلتُ لها اقصري .. فذلكَ شيٌ ما إليه سَبيلُ
أرى الناسَ خلانَ الكرامِ ولا أرى .. بخيلاً له حتى المماتِ خليلُ
وإني رأيت البُخل يُزري بأهلِهِ .. فأكرمتُ نفسي أن يُقال بَخيلُ
ومن خير حالاتِ الفَتى لو عَلمتِهِ .. إذا نالَ خيراً أن يكونَ يُنيلُ
فعالي فعالُ المُكثرِينَ تجمُّلاً .. ومالي كما قد تعلمينَ قليلُ
وكيفَ أخافُ الفقرَ أو احرَم الغنى .. ورأيُ أميرِ المؤمنينَ جميلُ


وضع الموصلي عديد من المؤلفات في الموسيقى والغناء والشعر حفظت بمكتبة بغداد، ولكنها ضاعت حين اجتياح المغول للمدينة، كما نسب اليه حوالي 900 لحن، وأبقى على 600 لحن قديم اعاد الموصلي صياغتهم من جديد. ولم يتبقى منها الا النذر اليسير وما نقله تلامذته شفاها. توفّي الموصلي عام 867 م عن عمر يناهز ثلاثا وثمانين عاماً. وقد
أصيب بالعمى في اواخر سنين حياته، وقد اختلفت الروايات حول أسباب وفاته. ليظل اسحق الموصلي إلى اليوم، أكبر وأهم موسيقي عرفه التاريخ القديم، والذي لا يضاهيه أحد.



إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)