اشتهر بلاط الخليفة هارون الرشيد بأنه كان يضم مشاهير الشعراء والعلماء والملحنين والموسيقيين، ليس في بغداد وحدها، ولكن في سائر بلاد الخلافة والبلاد المجاورة من غير المسلمين، منهم إسحاق بن إبراهيم بن بَهان بن بهمن الموصلي الأرجانيّ الأصل المعروف بابن النّديم الموصلي، والذي تخطى كل اقران عصره من المطربين والملحنين، حتى وصل لمكانه عالية عند الخليفة ومن أقرب المقربين إليه. عاصر عدة خلفاء منهم هارون الرّشيد والمأمون والمعتصم والواثق، وبلغت شهرته من خراسان الى بلاد المغرب والاندلس.
ولد في مدينة الري من اعمال فارس عام 767 م، قيل عنه انه من اصول يهودية، ولكن هذا ليس محل إجماع، إذ سافر مع أبيه إلى الموصل، والتي اشتهر بها فيما بعد، ليتلقى الفقه على يد هيثم بن بشير الكسائي، وتعلم التاريخ والأدب من الأصمعي، وذهب الموصلي الى بغداد ليتعلّم ضّرب العود والغناء على يد اشهر المطربات وكان اسمها عاتكة بنت شذا. ورغم معارضة والده، اشتهر الموصلي بالغناء والموسيقى، حتى أصبح من أشهر وأمهر المُغنّين والموسيقييّن في بغداد، وبلغ أعظم منزلة عند ستة من الخلفاء. في بلاط الخليفة المهدي كان الموصلي هو مطربه المفضل، ولكنه منعه من المجون والشراب، الى ان بلغه انه دخل على ولديه موسى الهادي والرشيد، وشربوا سويا! فأمر الخليفة بجلد الموصلي وحبسه، وظل بالسجن الى وفاة الخليفة المهدي وتولي ابنه موسى الهادي، فأمر باخراج الموصلي من السجن ورفعه لمكانة عاليه ومنحه 150 الف دينار مكافأة وتعويض على حبسه عوضا عنه.
«كان الغناء أصغر علوم إسحاق وأدنى ما يوسم به، وإن كان الغالب عليه وعلى ما يحسنه. هو الذي صحّح أجناس الغناء».
وقال عنه الخليفة المأمون:
«لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس واشتهر بالغناء لوليته القضاء، فإنه أولى وأعف وأصدق وأكثر ديناً وامانة من هؤلاء القضاة، ولكنه اشتهر بالغناء وغلب على جميع علومه، مع أنه أصغرها عنده، ولم يكن له فيه نظير».
وقال الخليفة الواثق العباسي:
«ما غنّاني إسحاق قط إلاّ ظننتُ أنّه زيد لي في ملكي».
وانشد الموصلي يمدح هارون الرشيد قائلا:
وآمرةٍ بالبُخلِ قلتُ لها اقصري .. فذلكَ شيٌ ما إليه سَبيلُأرى الناسَ خلانَ الكرامِ ولا أرى .. بخيلاً له حتى المماتِ خليلُوإني رأيت البُخل يُزري بأهلِهِ .. فأكرمتُ نفسي أن يُقال بَخيلُومن خير حالاتِ الفَتى لو عَلمتِهِ .. إذا نالَ خيراً أن يكونَ يُنيلُفعالي فعالُ المُكثرِينَ تجمُّلاً .. ومالي كما قد تعلمينَ قليلُوكيفَ أخافُ الفقرَ أو احرَم الغنى .. ورأيُ أميرِ المؤمنينَ جميلُ



