مومياوات الفيوم التي يعود بعضها للقرن الأول الميلادي لم تكن أبدا لإغريق أو رومان من المُحتلين الذين عاشوا في مصر واتخذوها وطناً، فعلى الرغم من إنفصال البطالمة عن وطنهم الأم في مقدونيا وبلاد اليونان، وظهور أجيال وأجيال منهم لم تعرف اليونان ولا عاشت فيها يوماً واحداً، إلا أنهم تمسكوا بعاداتهم التي اختلفت عن عادات المصريين تماما.
فتُخبرنا الجبّانات التي تعود للعصر البطلمي والروماني كجبّانات الشاطبي وكوم الشقافة بالإسكندرية، إن البطالمة احتفظوا بدفن موتاهم في توابيت حجرية أو رُخامية ملفوفه في أكفان كتانية، ولكن بدون تحنيط أو تشفُّع بآلهة خاصة بقدماء المصريين، كما يظهر في مومياوات الفيوم.
أما مومياوات الفيوم فاحتفظوا بتقاليد أجدادهم المصريين في التحنيط والدفن ورشم أجساد المومياوات بالتعاويذ والتمائم التي تحفظ الميت في العالم الآخر طبقا لاعتقادهم، كما ظهر بعض الأموات في حماية النتر انوبيس وحورس وايزيس، ولكن طرأت بعض التعديلات على مراسم الدفن والتحنيط، فتم اختصار فترة إعداد الميت وتشييع الجثمان لأربعين يوماً بدلاً من سبعين كما كان بالماضي، وبدلا من القناع الذهبي أو الفضي يحمل وجه المتوفي تم رسم لوحه زيتيه بورتريه دقيقة لملامح الوجه، وهو فن لم يكن معروفاً من قبل ويظهر فيه التأثر بالفن الإغريقي، ولكنه صار شائعا. كما ظهر المتوفون بملابس وهيئات اغريقية ورومانية، وهذا من أثر التغير الذي طرأ على المجتمع المصري بعد ثلاثة قرون من الحكم البطلمي، حتى اللغة نفسها قد كتبها البعض بحروف اغريقية، ودخلتها بعض المصطلحات اليونانية، تلك التي استخدمها المسيحيين الأقباط في وقت لاحق لتدوين تقاليدهم الكنسية العريقة.
* خلاصة القول: إن مومياوات الفيوم كانت لمصريين أبا عن جد، وفي فترة قُبيل إنتشار المسيحية بين المصريين، ولم تكن أبدا لإغريق أو رومان عاشوا في مصر، فقد مات أولئك في توابيتهم الحجرية وبُليت أجسادهم ولم يتبق منها شيئاً، بينما احتفظت مقابر صحراء الفيوم الجافة بمومياوات المصريين إلى اليوم، لتتفرق على عديد من المتاحف في جميع أنحاء العالم، ليشهد الجميع على براعة المصريين في التحنيط، وخلود موتاهم عبر الزمن.
