كانت إنسانة بسيطة جدا ملامحها عادية ومالوفة للكثير، امرأة سمراء اللون ذات شعر أسود مجعد، حينما تمشي في الشارع قد لا تلوي الأعناق، ولكن في الوقت نفسه كانت تلك المرأة طرفا في قضية اهتزت لها، بمعنى الكلمة، عرش بريطانيا العظمي.. كيف حدث هذا؟.. دعونا نتحدث قليلا عن الراقصة والفنانة حكمت فهمي، تابعوا معانا..!
وسافرت حكمت مع فرقة بديعة في جولة أوروبية، في صالات فيينا وباريس وبرلين، كان وقتها الطلب كبير على الراقصات الشرقيات في البلدان الاوروبية، وفي عام 1939 اشتعلت الأجواء عالميا، وظهرت بوادر حرب جديدة في الافق، وكانت حكمت وقتها في ألمانيا مع الفرقة يؤدون استعراضا كبيرا أمام الفوهرر هتلر شخصيا وكبار القادة الألمان، ويحضره أيضا موسوليني الديكتاتور الايطالي المشهور، برعاية وزير الدعاية (الاعلام) الألماني جوزيف جوبلز، والذي أعجب بحكمت وهو اول من اقترح تجنيدها للعمل في مصر لصالح الألمان خاصة عندما سمع عن علاقاتها بضباط بريطانيين في مصر. ولتجنيدها، اختارت المخابرات ضابط ألماني مُجند من مواليد مدينة بورسعيد المصرية، كان قد عاش مع اسرته في مصر فترة طويلة، وكان يتحدث العربية بطلاقه، قدم نفسه لحكمت على أنه مصري يُدعى حسين جعفر، شيئا فشيئا تقرب منها ونجح أنه يشغلها ويوقعها في شباكه. وتقابل الاثنان على مبدأ كراهية الإنجليز، خاصة عندما روت له حكمت عن جندي بريطاني كان قد اعتدى عليها في وقت ما وسبب لها عديد من المشاكل مع أهلها.
في الوقت نفسه كان الظابط الألماني على علاقة براقصة يهودية فرنسية اسمها ايڤيت، كانت تعمل سراً لصالح المخابرات البريطانية كأغلب أعضاء الوكالة اليهودية آنذاك. أعجب بها إبلر ودعاها لقضاء ليلة معه في مقر إقامته، وهناك سمعته الفتاة وهو يتحدث تليفونيا مع أحد اصدقائه فاشتبهت فيه، وبتفتيشه أثناء نومه عرفت الفتاة بعض التفاصيل التي نقلتها لقيادتها، فتم القبض على الظابط إبلر وكل من اشتركوا معه، حكمت فهمي والسادات وحسين عزت! ونظرا لأهمية المعلومات اللي حصلت عليها المخابرات البريطانية من الظباط الالمان اثناء استجوابهم، سافر رئيس الوزراء البريطاني تشرشل نفسه للقاهرة، وطلب مقابلة الظباط الألمان ووعدهم بالافراج عنهم اذا اعترفوا، وهكذا سمع تشرشل منهم معلومات خطيرة عن الشفرة التي كانوا يستخدمونها في نقل رسائلهم، واللي استخدمها الإنجليز بالفعل في خداع الألمان في معركة العلمين عام 1942م مما تسبب في هزيمتهم.
ورغم براءة السادات من تهمة التعاون مع الضابط الألماني، تم تجريده من رتبته العسكرية وإحالته للتقاعد، وحُكم على حسين عزت بالسجن لمدة عامين، وحكمت فهمي بالسجن المؤبد، قضت منهم عامين ونصف في سجن الأجانب بالقاهرة، إلى أن اتفقت مع أحد الضباط أن يتم تهريبها من سجنها مقابل 200 جنيه (يُعتبر مبلغ كبير بحسابات عام 1945م)، دفعتهم حكمت وهربت من سجن الأجانب واختفت عن الأنظار تماما حتى يوليو 1952 وبموجب التغيرات التي حدثت في البلاد سقط الحكم، وعادت مرة أخرى حكمت فهمي تعيش حياتها بحرية.
تزوجت حكمت بعد اعتزالها الدنيا ومن فيها من المخرج والممثل محمد عبد الجواد (الذي قدم دور ملك بيت المقدس في فيلم الناصر صلاح الدين)، وأنجبت منه أولادها جميعا، وقدمت سيرتها الذاتية، بكل ما تحمل من مأسي وأحداث مثيرة في حلقات للإذاعة المصرية في الستينيات. أيضا كتب عنها الكاتب الصحفي محمود صلاح في كتابه (السادات والجاسوس) والذي روى فيه القصة بالتفصيل، وفي السينما العالمية تم إنتاج فيلم بريطاني عام 1960، بإسم Foxhole in Cairo، يحكي بالتفصيل قصة الجاسوس الألماني إبلر وشبكته التي اسسها في القاهرة، وكيف تم الإيقاع به، وذلك طبعا لإيمانهم بأهمية الأحداث ودورها الكبير في انتصار الحلفاء بالعلمين وبالتالي في الحرب العالمية الثانية. أما في السينما المصرية، قدمت الفنانة نادية الجندي فيلم عن قصة حياة حكمت فهمي يحمل إسمها عام 1994، اشترك معها كل من فاروق الفيشاوي وحسين فهمي وأحمد مظهر ومن إخراج حسام الدين مصطفى، ولكن الحبكة كانت ضعيفة والأحداث بعيدة تماما عن القصة الاصلية التي رويناها.


