أول زعيم شعبي للمصريين ونهايته كانت بأمر محمد علي باشا.. إنه السيد عمر مكرم

طارق الشافعي
كتب
0

قد يكون السيد عمر مكرم هو أول زعيم شعبي حفظته الذاكرة المصرية في بدايات العصر الحديث، وبه يؤرخ عدد من المؤرخين بداية ظهور الوعي المصري أو تولد الشعور القومي لدى المصريين. 

 

تمثال عمر مكرم
تمثال الزعيم الوطني عمر مكرم

من مواليد أسيوط عام 1750م، وكما هو الحال في تلك الايام، ذهب إلى القاهرة للدراسة في الأزهر الشريف، والتحق بنقابة الأشراف، كونه ينحدر من أسرة من السبط الشريف، وظل يتدرج في المراتب إلى أن أصبح نقيبًا لأشراف مصر عام 1793م، ولذا كان يتمتع بمكانة عالية واحترام عند العامة والخاصة. وهذا ما شجعه على ان يتولى قيادة حركة شعبية ضد ظلم الحاكمين المملوكيين «إبراهيم بك» و«مراد بك»، عام 1795م يطالبهما برفع المظالم والتمسك بالشريعة والتحاكم إليها ورفع الضرائب عن كاهل الفقراء وإقامة العدل في الرعية. وهذا ما قرب منه العامة، وجعله شخصية محبوبة بين المصريين. 

 


وعندما هاجم الفرنسيون الإسكندرية عام 1798م تخلى عمر مكرم عن خصومته للمماليك، وطالب بالاحتماء خلف جيشهم ودعمه بالمقاومة، كونه خط الدفاع الوحيد للمصريين أمام الأعداء. فقام بتعبئة الجماهير للمشاركة في القتال إلى جانب جيش المماليك، فذهب إلى القلعة وأحضر منها بيرقًا كبيرًا كان معروفا لدى العامة بالبيرق النبوي، فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق وأمامه ألوف من العامة. ولكن عندما سقطت القاهرة بأيدي الفرنسيين، فضل الهروب من مصر كلها حتى لا يظل تحت رحمة الفرنسيين، فذهب الى يافا وظل بها إلى أن خرج نابليون في حملة الشام وقابله في يافا. أمر بإعادته الى مصر، فعاد مكرم وتظاهر بالاعتزال في بيته ولكنه كان يُعد العدة مع عدد من علماء الأزهر وزعماء الشعب لثورة القاهرة الثانية عام 1800م، فلما قمعها كليبر بوحشية إضطر مكرم إلى الهروب مرة أخرى خارج مصر حتى لا يقع في قبضة الفرنسيين الذين قاموا بمصادرة أملاكه، وظل السيد عمر مكرم خارج مصر حتى رحل الفرنسيين عام 1801م، ليقود حركة أخرى ترفض أغلب الولاة الذين عينتهم الاستانة وتختار واليا تظاهر بحب المصريين، كان هو محمد علي باشا. والذي تم تنصيبه رسميا بعد خلع خورشيد باشا عام 1805م، في حركة عدها كثير من المؤرخين إنتصارا للإرادة الشعبية، قبل أن يعرفوا مصيرهم الأليم! 

 


ويتجدد نضال عمر مكرم خلال حملة فريزر، والتي حاول فيها الإنجليز إحتلال الإسكندرية ورشيد عام 1807م، فنجد مكرم من جديد يحشد الأهالي، وينبه على ضرورة حمل السلاح والتأهب لجهاد المحتل، حتى مجاوري الأزهر والمشايخ أمرهم بترك الدروس والمواعظ. ولكن بعد جلاء الانجليز إصطدم مكرم مع محاولات محمد علي المريرة الإنفراد بالسلطة، ولكنه ظل يراجعه الى دبر للتخلص منه عن طريق الطعن في ذمته (والتي كانت فوق مستوى اي شبهة بين العامة) واستصدر حكما من المحكمة بعزله من نقابة الاشراف وقام بنفيه لدمياط وتحديد اقامته هناك، فزالت سطوة الزعامة الشعبية، وزالت معها الرقابة على "الباشا"، لان باقي المشايخ من زعماء الشعب انسحبوا من المشهد تدريجيا خوفا من الوالي، وهكذا حكم محمد علي بعدها البلاد منفردا حتى نهاية عهده. 

 


أما مكرم فقد ظل في منفاه ما يقرب من 10 سنوات، إلى أن عفا عنه الوالي وعاد إلى القاهرة في يناير 1819م، ابتهج الشعب به ولم ينس زعامته له، وتقاطرت الوفود عليه. أما الرجل فكانت السنون قد نالت منه؛ فآثر الابتعاد عن الحياة العامة، ورغم ذلك كان وجوده مؤرقا لمحمد على، فنفاه مرة ثانية إلى خارج القاهرة؛ خوفًا من تاثيره في الناس، لكن الموت أسبق، حيث توفي عام 1822م بعد أن عاش حياته قريبا من الشعب مناضلا من اجل كلمة الحق في وجه سلطان جائر. كتب عنه عديد من مؤرخي مصر عبر العصور، وجمع سيرته الأديب الكبير محمد فريد أبو حديد في أسلوب شيق. 

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)