من أرفع المناصب في القصر السلطاني وأكثرهم وجاهه وأقربهم إلى شخص السلطان، لا يتولاها إلا الأدباء والشعراء وكبار الكتاب والفلاسفة من المشهود لهم بحسن النَظم وسلاسة الكلمات.. إنه ديوان الإنشاء!
إشتهر كأحد أهم الدواوين منذ قيام الدولة الإسلامية على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الأربعة الراشدين من بعده، ثم اتّخذ شكلاً متطوراً في العصر الأموي، حيث تطورت مهامه وأدواته التي يستخدمها. فكان يصوغ مراسلات الخليفة إلى ملوك البلدان الاخرى، وكذلك يستقبل السفارات القادمة منها، ويتولى ترجمة الرسالة، والرد عليها بأسلوب بليغ العبارة، جزل قوي يظهر قوة الدولة وعظمة الحاكم للآخرين. وكذا تحرير أوامرهُ الى القادة ووُلاة المدن والأمصار، وكتابة القوانين واللوائح. في العصر الأيوبي والمملوكي كان هذا الديوان أيضا مسئول عن صياغة أغلب الألقاب التي يتحلى بها السلطان، واختيارها بعناية، والعمل على تفرُّدها عن غيره من السلاطين السابقين، أو حكام البلاد الأخرى.
ويُعاون مسئول هذا الديوان مجموعة من الموظفين المتخصصين في الكتابة والخط والتدوين بمختلف الخطوط، والترجمة من عدة لغات، والرسم وزخرفة الرسالة لتأخذ طابعاً خاصاً. كما يُكلَّف رئيس الديوان أيضا (والذي غالبا ما يكون أديبا أو كاتبا) بكتابة سيرة السلطان أو تاريخه، إذ يكون له صلاحيات الإطلاع على كل أوراق ومستندات الدولة الرسمية، وجمع كافة الروايات والأحداث عن المعارك والحروب التي خاضها السلطان (إن وجدت)، أو الأحداث الهامة في حياته بشكل عام. وأيضا إضافة الناقص منها ومايتعلق بطفولته ونشأته، بالشكل الذي لا يتعارض مع جلال السلطان وهيبته. وأيضا مراجعتها ونسخها بعدد كاف من النسخ وتوزيعها على مكتبات العالم الإسلامي المختلفة، في بغداد ودمشق والقاهرة والمهدية وفاس وقرطبة وغرناطه بالأندلس.
ويُعد أشهر من شغل هذا المنصب، القاضي الفاضل والمؤرخ بهاء الدين بن شداد في عهد السلطان الناصر صلاح الدين، والمؤرخ محيي الدين بن عبد الظاهر على عهد السلطان بيبرس، وابو العباس القلقشندي على عهد السلطان برقوق. ايضا اعتذر عنها القليل كالإمام جلال الدين السيوطي مفضلا أن يتفرغ للكتابه والتدريس.
