نبوءة "حاميم الغماري" أشهر الحركات الدينية لدى الامازيغ

طارق الشافعي
كتب
0
خلال القرن التاسع الميلادي كانت بلاد المغرب في الشمال الافريقي تعيش صراعا بين التبعية للعباسيين في المشرق او الامويين في الاندلس او الفاطميين الصاعدين في المهدية (تونس)، تسببت تلك الفوضى السياسية في خروج كثير من المناطق عن سيطرة اولئك او هؤلاء. في هذه الاوقات العصيبه، أعلن حاميم الغماري عن نبوَّته!

تذكُر بعض المصادر أن لقب (حاميم) مأخوذ من القرآن الكريم، الذي توجد به عدد من السور تبدأ بـ”حم”، ما يعني أن حاميم حاول أن يستمد شرعية النبوة من النص القرآني، فعلى الرغم من انتشار الاسلام بين كثير من قبائل البربر الامازيغ، كانت بقايا الوثنية لا تزال تؤثر في المجتمع المغربي خلال القرون الأولى من دخول الإسلام، وخاصة منطقة غمارة، التي مُزج فيها بين تعاليم الدين الإسلامي والمعتقدات الشعبية الموروثة. اضافة الى العزلة السياسية، مع وجود عادات ومُعتقدات خاصة بها، وايضا تمردها المعروف  على الولاة العرب.

بمنطقة مجسكة، القريبة من مدينة تطوان  (المغرب)، أعلن حاميم الغماري عن نبوّته سنة 925م، قرب جبل ظل يحملُ اسمه إلى وقت قريب. ولم تنقُل المصادر التاريخية كثيرا من عبادات حاميم، لكنها أجمعت على أنه وضع قرآنا بالأمازيغية كان شفهيا غير مكتوبا. لكن ما وصل منه يُمكننا من بالوقوف على الخطوط العامة لهذه الديانة. حيث كان يحتوي على نصوص متفاعلة مع إمكانات وإكراهات الوسط البيئي والاكراهات الاقتصادية. كما رفع التحريم عن أكل أنثى الخنزيز لحل مشكلة التغذية، وأسقط الحج بعد ثقل المغارم على الحجاج بالمهدية (تونس). كما أقرت شريعة حاميم نظاما ضريبيا موحدا يُقر فقط العشور والزكاة، مما يعني رفع باقي الضرائب الثقيلة والمرهقة لكاهل المؤمنين بدعوته”. اي انه فيما يخص أركان الإسلام، احتفظ حاميم بها مع إدخال تعديلات عليها، وإسقاط رُكن الحج.

كما تتجلى التعديلات في تقليص الصلوات الخمس التي سنها الإسلام إلى اثنتين فقط: في  الصبح والمساء، وفي كل منها ثلاث ركعات فقط، وأمر معتنقي ديانته أن يسجدوا وبطون أيديهم تحت وجوههم. كما أسقط شرط الطهارة والوضوء قبل الصلاة. وقد نقل لنا بن خلدون في كتابه (العبر..) جزءا كبيرا من صلوات حاميم وقرآنه، ورد فيه:

 “خلّني من الذنوب يا من خلى النظر، ينظر في الدنيا، أخرجني من الذنوب، يا من أخرج يونس من بطن الحوت، وموسى من البحر، آمنت بحاميم وبأبيه أبي يخلف من الله وآمن رأسي وعقلي وما يكنّه صدري وما أحاط به دمي ولحمي، وآمنت بتأليه (تانفيت أو تبعانت) أخت أبي يخلف من الله”.

اما فيما يخص بصوم رمضان،  فقد اختزلها حاميم لثلاثة أيام، وأسقط سبعة وعشرين يوما، وكذلك صيام يوم عيد الفطر، وجعله في الثاني من شوال. بينما تذكر مصادر أخرى أنه فرض صوم عشرة أيام من رمضان ويومين من شوال. وايضا جانبٌ آخر اهتمت به شريعة حاميم، يتعلق ببعض الأطعمة، من ذلك أن الحوت (السمك) لا يؤكل إلا بذبيحة شرعية . كما حرم عليهم أكل البيض، وأكل الرأس من كل حيوان.

هذا ولم يتسع الزمن لحاميم لإنهاء مشروعه، إذ توفي مقتولا بعد سنتين من اعلان نبوته، ليبقى الاختلاف حَول القاتل. الذي قيل انه الخليفة الأندلسي عبد الرحمن الناصر، بينما يذكر ابن خلدون أنه قتل في إحدى الحروب مع قبائل مصمودة التي كانت موالية لأمويين الأندلس.

اليوم، وفي ظل القومية التي يعيشها الامازيغ في بلاد المغرب، تنظر عديد من الدراسات المُعاصرة الى حركة حاميم الغماري، باعتبارها جزءا من التاريخ الديني والفكري للمجتمع المغربي في هذه الفترة.




إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)