يقول الامام الذهبي في سير اعلام النبلاء، عن ابن عائشة، ان عبد الملك بن مروان حين أفضي الأمر اليه كان يقرأ القرآن والمصحف في حجره، فطواه وقال: هذا أخر العهد بك!
عبد الملك بن مروان: ترسيخ دعائم الدولة
بعد أن قضى الحجاج بن يوسف الثقفي على دولة ابن الزبير في مكة المكرمة عام 73 هـ، وقضى على بؤر الخوارج وشيعة الإمام علي في البصرة والكوفة والأهواز، استقرت الأوضاع السياسية إلى حد كبير. أدرك عبد الملك بن مروان أسس الحكم الراشد، والتي سار على نهجها هو وأولاده من بعده. كان من بين هذه الأسس إدراكه أن الاستقرار لا يتحقق بالحوار وحده، بل بالقوة والسيف عند الضرورة. كما رأى أن وجود ولاة أقوياء مدعومين بحاميات عسكرية في كل ولاية، هو خير من الاعتماد على الأنصار والمحبين.
إنجازات عمرانية وإدارية
في ظل الاستقرار الذي نعمت به الدولة، توجه عبد الملك بن مروان إلى بناء إرث حضاري يدوم ذكره أطول من الفتن والحروب. فبسبب اضطراب الأوضاع السياسية، تعذر على أهل الشام والعراق ومصر أداء فريضة الحج، ما دفع عبد الملك إلى الاهتمام بمسجد قبة الصخرة في القدس.
- قبة الصخرة: تشير الروايات إلى أن الخليفة عمر بن الخطاب زار الصخرة أثناء فتح القدس، وبنى معاوية بن أبي سفيان مسجدًا حجريًا في الموقع. وفي عهد عبد الملك بن مروان، أُنشئ بناء مميز مزخرف حول الصخرة لتكون مزارًا، والمسجد مكانًا للصلاة.
- تعريب اللغة والدواوين: أدرك عبد الملك أهمية اللغة العربية في توحيد الدولة، فأشرف على تطوير نظام الكتابة العربية، وجعل اللغة العربية لغة رسمية في الدواوين، خاصة ديوان الخراج الذي كان تحت سيطرة السريان.
- تعريب النقد: يذكر أن تهديد الإمبراطور البيزنطي جستنيان الثاني بكتابة عبارات مسيئة للإسلام على العملات البيزنطية، كان دافعًا لعبد الملك لتعريب النقد. ولكن سواء صحت هذه الرواية أم لا، فإن تعريب الدواوين والنقد كان ضرورة حتمية لسيادة الدولة واستقلالها الاقتصادي.
استئناف الفتوحات
استأنف عبد الملك بن مروان حركة الفتوحات الإسلامية، ففي الجبهة الآسيوية، أشرف الحجاج بن يوسف على فتوحات الشرق، وولى قيادة الجيوش المهلب بن أبي صفرة وابنه يزيد بن المهلب، اللذين أعادا فتح خراسان وبلاد التركمان. كما قاد محمد بن القاسم الثقفي الجيوش إلى بلاد السند (باكستان حاليًا). أما على الجبهة البيزنطية، فقد شن محمد بن مروان هجمات على أرمينيا وقاتل الروم في مرعش، مما أمن الحدود الشمالية للدولة. وفي إفريقيا، واجه عبد الملك تمرد البربر، وعين حسان بن النعمان الذي تمكن من هزيمة البربر وتوسيع نفوذ الدولة في شمال إفريقيا.
الوليد بن عبد الملك: نهضة وازدهار
بعد وفاة عبد الملك بن مروان عام 86 هـ، تولى ابنه الوليد بن عبد الملك الخلافة. وقد ورث دولة مستقرة، مما أتاح له المجال للتركيز على إنجازات أخرى.
- تطوير البنية التحتية: اهتم الوليد بإنشاء شبكة طرق تربط دمشق بالحجاز والفسطاط والكوفة، وشملت هذه الطرق استراحات للقوافل وآبارًا للمسافرين وبيوتًا لإقامة الغرباء وأسواقًا للتجارة.
- الاهتمام بالرعاية الاجتماعية: أنشأ الوليد المستشفيات لعلاج المرضى، ودورًا لرعاية الأيتام والمدارس لتعليم الصغار، وكانت هذه المؤسسات تقدم خدماتها بالمجان.
- التوسع في عمارة المساجد: وسع الوليد المسجد الأموي في دمشق، والمسجد الأقصى في القدس، والمسجد الحرام في مكة المكرمة، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، واستخدم في هذه التوسعات الرخام الذي جُلِب من مناطق مختلفة.
- مواصلة الفتوحات: استمرت الفتوحات في عهد الوليد، ففي الجبهة الشرقية، أكمل قتيبة بن مسلم فتح بلاد ما وراء النهر، ووصل محمد بن القاسم بجيوشه إلى كراتشي وحيدر آباد في بلاد السند. وفي الجبهة الغربية، وصل موسى بن نصير بفتوحاته إلى ساحل المحيط الأطلسي، وشارك طارق بن زياد في فتح شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس).
سليمان بن عبد الملك: خلافة قصيرة وإرث متباين
في عام 95 هـ، وقبل وفاة الوليد بن عبد الملك، حاول الحجاج بن يوسف إقناع الوليد بعزل أخيه سليمان من ولاية العهد وتعيين ابنه عبد العزيز بدلًا منه، لكن محاولته باءت بالفشل. تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة بعد وفاة أخيه الوليد.
- سياسة سليمان: اتسم سليمان بن عبد الملك بشخصية متدينة ومحبة للعدل، وكان مقربًا من الفقهاء والعلماء، وقد عزل الولاة الذين عرفوا بالقسوة في عهد الحجاج.
- موقفه من موسى بن نصير: يذكر المؤرخون أن سليمان عزل موسى بن نصير والي إفريقية والأندلس، واختلفوا في سبب ذلك، ولكن الرواية الأرجح تشير إلى أن سليمان اعتقد أن موسى بن نصير أخّر قدومه إلى دمشق للقائه بعد وفاة الوليد طمعًا في تولي الخلافة.
- لفتوحات في عهده: لم تشهد الدولة فتوحات واسعة في عهد سليمان، ولكنها اقتصرت على تأمين الحدود. كما شهد عهده الحصار الثاني للقسطنطينية بقيادة مسلمة بن عبد الملك.
- ولاية العهد: قبل وفاته، عهد سليمان بالخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، وجعل يزيد بن عبد الملك وليًا للعهد من بعده.
توفي سليمان بن عبد الملك عام 99 هـ، وحزن الناس لوفاته، وأثنى عليه المؤرخون لما عرف عنه من عدل وتقوى، ولاستخلافه عمر بن عبد العزيز الذي يعده البعض خامس الخلفاء الراشدين.



