يختلف كثير من الباحثين حول الحكم العثماني لمصر وباقي البلاد العربية، فيقول البعض انه كان بغرض توحيد المسلمين خلف قيادة واحدة، في حين يؤكد البعض الاخر ان كل هذه الاقاويل جاءت على سبيل التبرير لا أكثر، فما كان الحكم العثماني لمصر والبلاد العربية الا احتلالا قمعيا أضر بالبلاد والعباد!
ولو ناقشنا الموضوع بلغة العصر الحالي لقلنا أيضا انه احتلالا، واحتلالا بغيضا جثم على صدور البلاد لقرون عديدة! ولكن العامة وقتها (من أهل مصر أو غيرها) لم يكن هذا هو المفهوم السائد بينهم، فحكم البلاد كان لمن غلب وليس بالضرورة أن يكون من أهلها. ففي مصر وفي عهود سابقه تغلب عليهم الطولونيون والإخشيد والفاطميون وسلاطين بني أيوب والمماليك، ولم يعترض أحد بدعوى أنهم أجانب ويحتلون البلاد! طالما أنهم مسلمين فلن يحولوا بينهم وبين شعائرهم الدينية. وأيضا اهتم أهل مصر من الأقباط بعلاقات طيبة مع الحكام لذات السبب (حرية إقامة الشعائر والحفاظ على العقيدة وعدم محاربتها) وقد تعامل الجميع مع العثمانيين بنفس الفكر. إلى جانب أن مفهوم الصَّبر على جور الحكام كان معروفا عند المسلمين والأقباط على حد سواء.
وفي عصر محمد علي باشا واسرته، نرى تطلع مصر الى الاستقلال عن الدولة العثمانية في القرار، وحرص الوالي على استصدار الفرمان يلو الفرمان من السلطان لمنحه مزيد من الصلاحيات للحكم الذاتي، وتولد الشخصية القومية المصرية التي جاهدت الاحتلال الإنجليزي ونادت باستقلال مصر والتفت حول الشخصيات القومية المصرية كمصطفى كامل باشا وخليفته محمد فريد باشا ويليه سعد باشا زغلول في ثورة الشعب عام 1919م ولكن ايا من هؤلاء الزعماء لم ينادوا بالانفصال عن العثمانيين، في وقت كان السلطان هو خليفة المسلمين الذين كان يجمع الأمه حوله ولو بشكل صوري إسمي. المفهوم الذي زال على يد كمال أتاتورك ونظامه عام 1924 فنشأت الصورة الحالية والتي تجعل من الحكم العثماني لمصر احتلالا للبلاد تحررت منه مطلع القرن العشرين.
أما عن العثمانيين، فيؤكد محبيهم والمدافعين عنهم ممن يعيشون بيننا في الوقت الحالي، أن دولتهم (دولة الخلافة) قد وفرت الحماية والأمان للدول العربية من الإحتلال سواء من البرتغاليين في البحر الأحمر أو الصفويين في بلاد الفرس! وكلها في الواقع حجج واهية لا أصل لها، ولعلهم يتغاضون بها عن حقيقة ما فعله العثمانيون ببلادهم، وكأنه الثمن أو المقابل لتلك الحماية المزعومة! فقد جمع العثمانيون كل خيرات البلاد من الأموال والرجال وشحنوها لبلادهم، واستأثروا بعد ذلك بكافة خيرات البلاد دون أهلها، بل واطلقوا يد شراذم المماليك والچراكسة ليساعدوهم في إخضاع المصريين والسيطرة عليهم، حتى تحول ولاتهم وباشواتهم في مصر إلى خاضعين تابعين لهوى "شيخ البلد" المملوكي وأتباعه. فكان الصراع بينهما هو شقي الرُحى التى عانى منها المصريين الأمرين، من مسلمين وأقباط ويهود، لا يُصبّرهم على ذلك سوى تلك المفاهيم المتداولة في ذلك الزمان بالصبر على جور الحكام.
