أهم مصادر التاريخ المصري القديم السياسي والإجتماعي والثقافي

طارق الشافعي
كتب
0

خلال العصر الإسلامي اجتهد كثير من المؤرخين والباحثين في كتابة تاريخ مصر القديم، بغرض ان يقدم سفرا يشمل التاريخ منذ بدء الخليفة وحتى لحظة التدوين. وفوجئ الجميع انهم لا يملكون مرجعا للتاريخ المصري القديم، ولا اي اخبار عنه الا مانشرته الكتب السماوية عن قصص الانبياء وصراعها مع فرعون مصر وهامان ويوسف عليه السلام والعزيز وامرأته وبني اسرائيل وسليمان وداوود وغيرهم، الى جانب مقتطفات ما كتبه العرب القدامى من اخبار قوم عاد وثمود وجَلْهَم والعماليق وغيرهم. فكان نتاجهم مشوه المعالم لا يمُت للحقيقة بصِله ولا يعرفها من قريب أو من بعيد، ما يعرف بـ"تاريخ مصر الوهمي"..! 

 

 

ولكن بعد اكتشاف الطريقة الصحيحة لقراءة النصوص المصرية القديمة مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، انفتحت أبواب التاريخ المصري على مصراعيها، وانكب العلماء يترجمون النصوص القديمة ويدونوها في كتب، كل هذا اعاد قراءة التاريخ المصري القديم، لتنزاح تلك الخزعبلات التي دونها المؤرخين سابقا ويأتي التاريخ المصري القديم بشكله الحقيقي. فوجد العلماء ان الآثار المصرية المنتشرة بطول البلاد وعرضها هي المصدر الأول والأساسي عند الحديث عن حضارة المصريين، ولا ريب أن الآثَار المصرية القديمة تتنوع وتختلف ما بين معابد ومقابر وأهرامات وتوابيت ولوحات وبرديات وغير ذلك. وبالرغم مما تحتويه هذه الآثار من بعض العيوب إلا أننا نجد في هذه المصادر المعاصرة للأحداث عبر العصور المختلفة ما لا نجده في غيرها، فلقد خلدت هذه الآثار الحضارة المصرية القديمة وروت لنا الكثير عن تاريخها العريق.

 


فمثلا كانت قوائم الملوك واهمها على جدران معبد "سيتي الأول" بأبيدوس، ونرى فيها "سيتي" يقدم القرابين والتمنيات لستة وسبعين ملكا من أسلافه في صفين من الكتابة، ويقف أمامه ابنه وولي عهده "رعمسيس"(الثاني لاحقا)، وقد أُسقط من القائمة أسماء ملوك الأسرتين التاسعة والعاشرة، وملوك الهكسوس، والملك "إخناتون" والثلاثة ملوك الذين تبعوه، بالإضافة إلى إهمال اسم "حتشبسوت"، ولقد كان هذا الإهمال والإسقاط متعمداً باعتبارهم حكام غير شرعيين، ثم في نهاية القائمة نجد اسم الملك "سيتي الأول". وايضا يعتبر حجر بالرمو، والذي نقش في أواخر عصر الأسرة الخامسة، ويحوي في صفوف أفقية أسماء وأهم أعمال وسنوات حكم ملوك حكموا في عصر ما قبل الأسرات، وحتى حكم ثالث ملوك الأسرة الخامسة "نفر اير كارع".

 

قائمة ملوك مصر في معبد ابيدوس

وفي معبد الكرنك بالاقصر نرى قائمة اخرى، نجد فيها الملك "تحتمس الثالث" يقوم بتقديم القرابين والتمنيات لواحد وستين ملكا من أسلافه، ونرى في أول القائمة اسم مهشم لملك، ثم اسم الملك "سنفرو"، ثم نرى أسماء الملوك من الأسرتين الخامسة والسادسة، وأهملت القائمة أسماء الملوك خلال عصر الإنتقال الأول، ثم دُون أسماء بعض ملوك عصر الدولة الوسطى، ثم أسماء ملوك من الأسرات الثالثة عشرة والرابعة عشرة والسابعة عشرة.

 

قائمة ملوك مصر معبد الكرنك

وفي عام 1861 اكتشف العالم الاثري مارييت في مقبرة ثونري بمنف قائمة جديدة لاسماء الملوك، وتعود إلى عصر الملك رمسيس الثاني، وبقي من هذه القائمة سبعة وأربعون خرطوشاً للملوك، ولكنها حوت في الأصل سبعة وخمسون خرطوشاً، ولقد أسقطت القائمة أسماء ملوك عصر الإضمحلال الثاني، وتبدأ بالملك "عدج – أيب" سادس ملوك الأسرة الأولى، وفي نهايتها نجد اسم الملك "رمسيس الثاني" وهي محفوظة حالياً بالمتحف المصري بالقاهرة. وأيضا حجر باليرمو والذي عثر عليه نهاية القرن التاسع عشر ويعود لعصر الأسرة الخامية، وقد حوى اسماء ملوك مصر من عصر التوحيد لنهاية الأسرة الخامسة، كما حوى بعض اسماء لملوك مصر قبل التوحيد مما أطلق عليهم جماعة "شِمسو حور" أو اتباع حورس.

 

حجر باليرمو

ايضا لعبت البرديات دورا هما في تدوين التاريخ المصري، مثل بردية تورين، المدونة بالخط الهيراطيقي من عصر الملك رمسيس الثاني، والتي تم اكتشفها برناردينو دروفيتي قنصل فرنسا العام بمصر عام 1820م، وقام بشحنها الى متحف تورينو بايطاليا، وكانت في ذلك الوقت سليمة إلى حد ما، ولكن فُقد أكثر من نصفها نتيجة الإهمال، ورُممت ورُوجعت فيما بعد. وفيها نجد أسماء المعبودات وبعد ذلك أسماء الملوك ثم فترات حكمهم محددة بالسنين والأشهر والأيام، وأول هؤلاء الملوك هو الملك الموحد "مينا"، وتنتهي بآخر ملوك الهكسوس، واحتوت في الأصل على أكثر من ثلاثمائة اسم من أسماء الملوك.

 

بردية تورينو - ايطاليا

هذا إلى جانب نصوص الأنساب، حيث قام بعض الأفراد في العصر المتاخر بالكتابة عن تاريخ حياتهم، وهنا بدأ نوع خاص من النصوص في الظهور، ولعل أهمهم لوحة من الحجر الجيري للكاهن المدعو "عنخ-ف سخمت" الذي عاصر الأسرة الثانية والعشرون، وقام بتدوين أسماء عائلته وأسلافه، والجد الأول يرجع لعصر الأسرة الحادية عشرة، وهناك ميزة خاصة في هذه اللوحة فهذا الشخص لم يهمل ملوك العمارنة مثل باقي القوائم، وهذا اللوح محفوظ الآن في متحف برلين، ويعتبر من أهم المصادر بالرغم مما يشوبه من شوائب.

 

تمثالي ممنون - الأقصر

ايضا لا ننسى جهود الكاهن والمؤرخ والكاتب المصري مانيتون، والذي دون تاريخا منذ بداية توحيد القطريين على يد مينا الى قدوم الاسكندر وتولى الملك بطليموس الثاني. قسم مانيتون التاريخ المصري القديم الى ثلاثين أسره، ولعله كان تقسيم معروف من قبل مانيتون، ولكن تاريخه هو المصدر الأول الذي اخذ العلماء منه هذه المعلومات عن تاريخ مصر القديم، بالرغم من أنه تاريخ سياسي في معظمه، لا يساعدنا على معرفة المظاهر الحضارية للشعب، ولكن المصادر الأخرى تغنينا بالمعلومات الكافية من هذا الجانب.

 

فنار الاسكندرية القديم (شكل تخيلي)

ولقد كتبنا عن مانيتون من قبل، كان كاهناً مصرياً بمعبد سمنود، يكتب ويتكلم باللغة المصرية القديمة، وعلى دراية ايضا باليونانية، كلفه الملك بطليموس الثاني بكتابة التاريخ المصري كاملا، ومنحه كافة الصلاحيات للاطلاع على كافة المستندات في كل المعابد والاماكن في طول البلاد وعرضها. وظل يعمل لسنين طويلة، استقى معلوماته من وثائق المعابد والمكاتب الحكومية، واصدر مؤلفه من نسختين، الاولى اودعت في مكتبة الاسكندرية، والثانية في مكتبة معبد السيرابيوم. الا انهما فقدا في وقت لاحق اثر حريق المكتبة بفعل جنود يوليوس قيصر عام 31 ق. م. واحداث الشغب بين المسيحيين الاوائل من اتباع كنيسة الاسكندرية، والوثنيين من سكان الإسكندرية عام 391م. إلا ان مقتطفات صغيرة من كتاباته لا تزال في كتب عديد من المؤرخين الاغريق.

 

مكتبة الاسكندرية القديمة (شكل تخيلي)

ايضا قام الكثير من فلاسفة ومؤرخين وحكماء الاغريق بزيارة مصر في الفترة ما بين القرنين السادس ق. م، والثاني ب. م. حيث بدأت مصر تستعين بالمرتزقة الأجانب في الجيش ما أعطاهم الدافع للتردد على مصر والاستقرار بها، كما زادت العلاقات التجارية والاجتماعية بين هؤلاء الاغريق وبين مصر. وقد ترك لنا اولئك الكُتاب تدوينات بها الكثير من الشوائب من أخطاء ومبالغات وتناقضات، قد تكون ناجمه انهم اعتمدوا على اساطير شعبيه كانت سائدة وقتها او رؤيتهم الشخصية للتاريخ المصري، مثل هيكاته الميليتي، وهيكاته الأبدري، وهيرودوت، وديدور الصقلي، وسترابون، وبلوتارخ الخيروني.. وغيرهم. 

 



ايضا كتب عن المصريين بعض الحضارات المعاصرة لهم، مثل حضارات الشرق الأدنى القديم، والتي ارتبطت بعلاقات مختلفة مع مصر في الكثير من العصور، لا سيما في عصر الإمبراطورية المصرية (الدولة الحديثة)، مثل  الرسائل المتبادلة بين ملوك مصر وحكام تلك المناطق، والتي نجد فيها صورة واضحة عن تلك الفترة، وعن الحالة الحضارية لتلك المناطق أيضا أثناء كتابة هذه المراسلات والخطابات، واهمهم على الإطلاق رسائل تل العمارنة والتي عثر عليها في الارشيف الملكي للملك اخناتون. 


من اثار مقبرة الملك توت عنخ آمون (الأقصر)

ايضا لا ننسى ما خلفه المصريون القدماء من معابد وجداريات وتماثيل ومسلات، مدون عليها عديد من المعلومات الوفيرة عن الملوك وتعاقبهم على سده الحكم ومدة حكمهم وعلاقتهم ببعضهم البعض. ايضا حوت مقابر الملوك سجلا حافلا يكشف لنا الكثير عن المظاهر الحضارية في مصر القديمة، ومعيشة الناس وطبائعهم وعاداتهم وافراحهم واحزانهم. صورة كاملة لا يشوبها شائب ولا يخطئها الا جاحد! من كل هذه المصادر تتكون صورة عامة يصل من خلالها الباحث إلى حقائق موضوعية وتاريخية.

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)