في عام 1885م عثرت فلاحه مصرية من المنيا على بعض الألواح الفخارية في أرضها أثناء الحفر لإستخراج بعض الآجر لصناعة الفخار، فجمعت تلك الألواح وباعتها بثمن بخس لأحد تجار الآثار المنتشرين في كل أنحاء الصعيد في ذلك الوقت، يتصيدون مايتم العثور عليه من خيرات وكنوز ويطوفون لعرضها على الخبراء. وبدوره عرضهم ذلك التاجر على خبير أثري يدعى فلندر پتري ليساعده في تقييم الثمن قبل البيع، وهنا كانت المفاجأة! وجد تلك الألواح مكتوبة بالخط المسماري باللغة الآكدية المستخدمه في حضارات بين النهرين (ميزوپوتاميا)، واستغرب پتري وجودها في ذلك المكان، ولكنه أدرك على كل حال إنه أمام اكتشاف سيعيد قراءة التاريخ بشكل غير ماكان متعارف عليه!
| رسائل تل العمارنة (العرض من متحف برلين) |
وعلى الفور، استقدم پتري مزيد من خبراء اللغة الآكدية الذين بدأوا في ترجمه نصوص الألواح، ومن ناحية أخرى طلب الوصول لموقع العثور على الألواح، واستأجر عددا من العمال وقام بمزيد من الحفريات بالاتفاق مع السيدة صاحبة الأرض، ليجد الارشيف الملكي او الخزانة الملكية لقصر تل العمارنة او مدينة آخت آتن القديمة، والتي كانت تضم رسائل متبادلة بين ملوك مصر امنحتب الثالث، وامنحتب الرابع (اخناتون) وتوت عنخ آمون. وحكام بعض بلاد الشرق الادنى والاقاليم المجاورة مثل بابل وآشور وميتاني وخيتا (مملكة الحيثيين) وأرزاوا وآلاشيا (قبرص) ورسائل اخرى متبادلة مع حكام الولايات التابعة لمصر وممثليهم في مملكتي كنعان وأمورو (فلسطين وجنوب سوريا حاليا). تم العثور على 382 لوحا فخاريا يحمل رسائل بداخلة غير ما تم تحطيمه، تم توزيعها على كثير من المتاحف العالمية، وطبعا استحوذ العلماء الالمان (خبراء علم الآشوريات) على نصيب الاسد منها.
| الملك اخناتون وابنته يقدمون القرابين لأتون |
كانت تلك الالواح مكتوبة كما قلنا باللغة الأكدية بخطها المسماري باللهجة البابلية العراقية والتي كانت لغة المراسلات بسبب انها كانت لغة منتشرة في بلاد الشام والشرق الادنى في تلك الفترة، كما كانت اللغة الأرامية بعد ذلك، وصارت اللغة اللاتينية في القرون الوسطى. ومن أشهر تلك الرسائل كانت من أحد ملوك بابل يطلب من الملك امنحتب الثالث ان يرسل له كمية من الذهب من ارض مصر، فأرسل له الملك كمية تعادل ستون مثقالا، فأرسل ذلك الملك البابلي يستعطف الملك امنحتب ويقول انه أرسل له كميه قليلة لا تعادل أجر الرسول الذي حمل الرسالة، وإنه يعلم أن الذهب في مصر كالتراب! فليكن جلالة الملك كريما معنا أكثر من ذلك. ولا ندري هل أرسل له الملك امنحتب المزيد، ام اكتفى بحفظ الرسالة في أرشيف مراسلاته، لتخبرنا بعد آلاف السنين كيف كانت حضارات الشرق الأدنى تنظر لمصر وللمصريين.
رساله اخرى من ملك أخر للملك امنحتب يطلب منه ان يتزوج امرأه مصرية من اميرات القصر، فرد عليه الملك امنحتب بالرفض، وقال:
“لم يسبق من قديم الأزل أن أُعطيت أميرة مصرية إلى أي أجنبي..”
فخشي ذلك الملك الإحراج أمام شعبه، فأرسل للملك امنحتب يطلب منه ان يرسل له أي امرأة من مصر ليتزوجها ولن يعرف أحد إنها ليست بأميرة! ولا ندري ايضا ماذا كان رد الملك أمنحتب على ذلك الملك المخادع!
فقط هي الصدفة البحتة التي كانت سببا في ذلك الكشف الاثري الهام، والذي تكمن اهميته في انه يرسم وبخطوط واضحة مدى مكانه مصر بين بلاد الشرق القديم، وكيف كانت مكانة ملوك مصر بينهم في ذلك العصر من بداية الدولة الحديثة. ايضا تسلط الضوء على ثقافة ولغة الشعوب الكنعانية في العصور التي سبقت ظهور المسيحية. كثير من هذه المراسلات مصدرها ملوك قليلو الأهمية خضعوا لسياسة الملك إخناتون والذي يمكن اعتباره أحد أقل الملوك الفراعنة حنكة وسياسة. ويستغرب الباحثين كون أرشيف القصر الملكي يتكون في معظمه من رسائل ملوك أغراب عن مصر وأمراء تابعين لها خارج حدودها، ويستنتج البعض أن الملك المصري مارس سياسة خارجية بوعي مكنه من السيطرة على تلك الممالك والإمارات من خلال دعمه للملوك الضعفاء وإضعافه للملوك الأقوياء.

