منذ فجر التاريخ، حين كان العالم شتاتًا من القبائل المتناثرة على أطراف الأرض، كانت مصر وحدها تبني أول "وطن" بمعناه الحقيقي؛ أرضًا موحّدة، وشعبًا واحدًا، ووعيًا جمعيًا يدرك ذاته. ومن هنا كان قول المفكر الكبير جمال حمدان:
"مصر أقدم دولة في التاريخ، وأقدم أمة عرفها الإنسان."
لكن قبل الخوض في عمق التجربة المصرية، لا بد من التمييز بين مفهومين يختلطان على الكثيرين: الهوية و القومية
الهوية… من أنا؟.. والقومية… من نحن؟
الهوية (Identity): هوية الفرد وروح الأمة
هي الخصائص التي تميّز المصري عبر العصور:
حب البيت، خفة الدم، احترام الأسرة، التدين الهادئ بلا تطرف، الميل إلى النظام والعدل، ودفء العلاقة بالمكان. هذه الروح العميقة المتوارثة هي الهوية المصرية.
القومية (Nationhood): الإرادة المشتركة
حين تتعرض الأرض للخطر، ينهض المصري، يدافع، يرفض الذوبان، ويعيد بناء دولته من جديد. هنا تتجلّى القومية المصرية:
شعب واحد، على أرض واحدة، بمصير واحد.
دولة مركزية، جيش موحّد، ووادي نيل صنع وحدة مصر الجغرافية والبشرية منذ آلاف السنين.
الهوية هي الروح… والقومية هي السيف الذي يحمي تلك الروح.
الهويّة هي "أنا"، والقومية هي "نحن" التي تحمي الـ"أنا".
كما قال جمال حمدان:
"هوية مصر صنعت قوميتها… وقومية مصر حمت هويتها."
القومية المصرية… تاريخ طويل من المقاومة
عبر آلاف السنين، بقي المصري مصرِيًّا، لا يذوب في غازٍ، ولا يستسلم لمحتل. وكل من يردّد أن المصريين "خانعين" لم يقرأ من التاريخ سطرًا.
دعنا نستعرض بإيجاز مشهد المقاومة المصرية عبر العصور:
1) ضد الهكسوس – أول احتلال أجنبي
لم يرفع المصري راية الاستسلام يومًا واحدًا؛ مقاومة مستمرة بدأها "سقنن رع"، ثم "كامس"، وانتهت بانتصار "أحمس" وطرد الهكسوس.
وكانت تلك أول ثورة قومية مكتملة في تاريخ الإنسانية.
2) ضد الآشوريين
احتلال وحشي لم يدم طويلًا، لأن الشعب رفض الاعتراف به، وتمكّن "بسماتيك الأول" من استعادة استقلال مصر.
3) ضد الفرس
ثورات متتابعة، أبرزها ثورة "إيناروس" التي أنهكت الفرس ست سنوات كاملة، ثم ثورات لاحقة تؤكد أن المصري لا يقبل حكمًا غريبًا عنه.
4) ضد البطالمة
رغم الوهم السائد بأنهم "حكام متصالحون"، شهدت مصر ثورات وتمردًا طويلًا في الصعيد، ومقاطعة واسعة للسلطة أدت إلى تآكل حكمهم من الداخل.
5) ضد الرومان
أسطورة "600 سنة بلا مقاومة" مجرد خرافة؛
فقد شهدت مصر عشرات الانتفاضات مثل ثورة البشمودة، وتمردات الفيوم، وإضرابات الضرائب.
6) ضد البيزنطيين… تمهيدًا لدخول العرب
والسؤال: لماذا لم يُعتبر دخول العرب لمصر احتلالًا كالآخرين؟.. لأن الظروف كانت مختلفة جذريًا:
1. كرهٌ شعبي للنظام البيزنطي الذي فرض ضرائب قاسية واضطهادًا دينيًا للمصريين.
2. الحرب كانت بين العرب والجيش البيزنطي فقط، لا بين العرب والشعب المصري.
3. العرب قدموا نظامًا أقل قمعًا:
أعادوا للكنيسة دورها، خففوا الضرائب، واحترموا اللغة المصرية في البداية.
ولذلك لم ينظر المصريون إلى دخول العرب بوصفه احتلالًا، بل تغييرًا في السلطة أنهى ثلاثة قرون من القهر الروماني–البيزنطي.
لكن الصورة تغيّرت بعد قرون… مع الزمن، ومع تبدل سياسات الدولة الأموية ثم العباسية، بدأت تظهر أسباب التوتر:
1. زيادة الضرائب
2. تعيين ولاة قساة من خارج البيئة المصرية
3. تعريب الدواوين تدريجيًا
4. تضييق لغوي على القبطية حتى بلغت ذروتها في القرن 14م حين صدر قرار بمعاقبة من يتحدث القبطية علنًا، فانحسرت إلى داخل الكنيسة فقط. كان ذلك أول قمع لغوي حقيقي تتعرض له اللغة المصرية في تاريخها.
وبسبب هذه الأسباب، اندلعت عشرات الثورات ضد ولاة العرب كغيرهم:
ثورة البشموريين
تمرّدات ضد الأمويين
ثورات في العهد العباسي
مقاومات في عصر الطولونيين والإخشيديين
ثم الفاطميين والمماليك والعثمانيين
وأثبتت مصر دائمًا أنها ولاية صعبة على أي سلطة خارجية.
المقاومة الحديثة… من عرابي إلى 2011 و2013
امتد خط القومية المصرية إلى العصر الحديث:
أحمد عرابي: ثورة الفلاحين ورفض الظلم
سعد زغلول: توحيد الأمة
عبد الناصر: الاستقلال وبناء الدولة
السادات: تحرير الأرض واستعادة الكرامة
ثم إلى القرن 21، حيث انفجرت روح المصريين من جديد:
ثورة 2011
انتفاضة ضد الفساد وسوء الإدارة.
ثورة 2013
كانت أعمق من السياسة؛
كانت حماية للهوية ذاتها، للطابع المصري، للنسيج الوطني، للدولة التي عمرها آلاف السنين.
كان المصري يشعر، في وعيه ولاوعيه، أن ثمة خطرًا يمس جوهر شخصيته وتاريخه.
وحين تُهدَّد الهوية… يدق الجرس الذي دقّ أيام أحمس وسقنن رع.
خاتمة: الروح والسيف
إن الهوية المصرية والقومية المصرية وجهان لعملة واحدة؛ الروح والسيف.
ومن يحاول أن يشككك في تمسكك بهويتك أو قوميتك أو يربطها بمعاداة الدين أو بالانفصال عن المحيط، إنما يحاول أن يجردك من آخر خطوط دفاعك.
لقد سقطت دول من حولنا حين طغت العصبيات والمذاهب على مفهوم الوطن، بينما ظل الوعي الجمعي المصري هو الحصن الأخير الذي صان الدولة منذ آلاف السنين.
وكما قال جمال حمدان:
"مصر أقدم دولة في التاريخ… ولم تتوقف يومًا عن أن تكون مصر، رغم كل ما مرّ بها من غزاة وتغيّر حكام."
اللهم احفظ مصر وأهلها من كل سوء وفتن. 🙏
