الانقسام العظيم واثره في خريطة اوروبا الدينية والسياسيه والثقافية

طارق الشافعي
كتب
0
الانقسام العظيم، أو الانشقاق الكبير (East-West Schism)، هو الانفصال التاريخي الذي حدث عام 1054 بين الكنيسة الكاثوليكية الغربية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، مما أدى إلى انقطاع الشركة الكنسية بينهما بشكل دائم وتشكيل الفرعين الرئيسيين للمسيحية. ويعتبر من اهم الاحداث في التاريخ الاوروبي بشكل عام.

وقد حدث الانقسام نتيجة لتراكم قرون من الاختلافات اللاهوتية والكنسية والسياسية والثقافية بين الشرق اليوناني والغرب اللاتيني. وتشمل الأسباب الرئيسية: 

- الخلاف حول السلطة البابوية: كان السبب الأبرز هو مطالبة بابا روما (أسقف روما) بالسلطة العليا والولاية القضائية على جميع البطاركة والكنائس الأخرى في الشرق، وهو ما رفضه البطاركة الشرقيون الذين التزموا بنموذج أقدم يعتمد على مجمع الأساقفة والسلطة الجماعية.

- بند "الابن" (Filioque): خلاف لاهوتي حول إضافة عبارة "والابن" (Filioque باللاتينية) إلى قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني عند الحديث عن انبثاق الروح القدس. الكنيسة الغربية أضافت العبارة (الروح القدس منبثق من الآب والابن)، بينما رفضت الكنيسة الشرقية هذه الإضافة، معتبرة إياها تغييرًا غير قانوني للعقيدة التي أقرتها المجامع المسكونية الأولى.

- الاختلافات الثقافية واللغوية: ساهم الاختلاف اللغوي (اليونانية في الشرق واللاتينية في الغرب) والاختلافات الثقافية العامة في سوء التفاهم المتبادل وتعميق الفجوة.

- النزاعات الطقسية: وجود اختلافات بسيطة في بعض الممارسات الطقسية، مثل استخدام الخبز الفطير (غير المختمر) في القربان المقدس في الغرب، والخبز المختمر في الشرق.

- المنافسة السياسية: المنافسة بين روما والقسطنطينية (التي أصبحت عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ومركزاً حضارياً هاماً للمسيحية الشرقية) على زعامة العالم المسيحي. 

ولم يكن الانقسام حدثاً واحداً مفاجئاً، بل عملية تدريجية بلغت ذروتها في عام 1054. حين أرسل البابا ليون التاسع مبعوثاً إلى القسطنطينية برئاسة الكاردينال همبرت لمناقشة بعض القضايا الخلافية مع البطريرك ميخائيل سيرولاريوس. وقد فشلت المفاوضات وبعدها تصاعد التوتر. ففي 16 يوليو 1054، قام الكاردينال همبرت بوضع مرسوم الحرمان الكنسي بحق البطريرك ميخائيل سيرولاريوس على مذبح آيا صوفيا.
رد البطريرك بعقد مجمع محلي أصدر حكماً بالحرمان المتبادل ضد المندوبين البابويين. هذه التبادل للحرمانات لم يكن يهدف في البداية إلى انقسام دائم وشامل للكنيسة بأكملها، لكنه أصبح نقطة اللاعودة التي رسخت الانقسام الفعلي والنهائي بين الكنيستين. 

وكان للانقسام العظيم آثار تاريخية عميقة ودائمة التشكيل ظهرت في جغرافية دينية منفصلة، مما أدى إلى تقسيم أوروبا والعالم المسيحي إلى مجالين نفوذ رئيسيين: الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في الغرب (أوروبا الغربية والشمالية لاحقاً) والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في الشرق (اليونان، البلقان، روسيا، والشرق الأوسط). وقد زاد الانقسام من العداء المتبادل، حيث ظهر للانقسام العظيم آثار تاريخية عميقة ودائمة ظهرت بشكل جلي في الحملة الصليبية الرابعة عام 1204، عندما قام الصليبيون الغربيون بنهب القسطنطينية عاصمة البيزنطيين وتحويل كثير من كنوزها الى روما، بدلاً من قتال المسلمين، مما عمق الكراهية بين الطرفين وجعل المصالحة أكثر صعوبة. ايضا أدت إلى تطور كل فرع لاهوتياً وثقافياً بشكل مستقل، مما أدى إلى مزيد من الاختلافات في العقائد والممارسات بمرور الزمن. كما قسم الانقسام أوروبا إلى مناطق نفوذ ثقافي وديني متميز. اتبع الغرب الكنيسة الكاثوليكية الرومانية (باستخدام اللاتينية كلغة طقسية وثقافية)، بينما اتبع الشرق الكنيسة الأرثوذكسية (باستخدام اليونانية أو اللغات السلافية القديمة). ساهم هذا التمايز في تشكيل هويات وطنية وثقافية منفصلة استمرت لقرون. ايضا التنافس والصراعات السياسية والدينية، كما رسم الانقسام خطوط صدع دينية تداخلت مع الحدود السياسية. حيث أثرت الانقسامات الدينية على التحالفات السياسية، حيث اصطفت الدول الغربية مع البابوية بينما اصطفت الدول الشرقية مع القسطنطينية. كما تطورت الأساليب الفنية والمعمارية في الغرب والشرق بشكل مستقل. فبينما ازدهرت العمارة القوطية وعمارة عصر النهضة في الغرب تحت رعاية الكنيسة الكاثوليكية، تطورت العمارة البيزنطية والأيقونات الأرثوذكسية في الشرق، مما أدى إلى تراث فني غني ومتنوع في كل منطقة.

ايضا أضعف الانقسام صورة الكنيسة الموحدة وأدى إلى التشكيك في السلطة البابوية في المعسكرين. الى ان مهدت سابقة الانقسام الطريق لحركات انقسام لاحقة ولكن على نطاق اوسع، مثل الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، والذي شهد انقساماً آخر داخل الكنيسة الغربية نفسها. ولا تزال خريطة أوروبا الدينية تعكس إلى حد كبير ذلك الانقسام القديم. غالبية سكان دول مثل اليونان وروسيا وصربيا وبلغاريا يتبعون الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، بينما تظل دول مثل إيطاليا وإسبانيا وبولندا وفرنسا ذات أغلبية كاثوليكية. هذا التوزيع يحدد الفروقات الثقافية وبعض التوجهات السياسية. الى ان صار الانقسام هو جزء لا يتجزأ من التراث الأوروبي المتنوع. أوروبا المعاصرة تحتضن هذه الفروقات كجزء من تاريخها المشترك، رغم أن الانقسام لا يزال قائماً على المستوى الكنسي الرسمي. 


في العصر الحديث، وعلى الرغم من بقاء الانقسام، هناك جهود حثيثة للحوار المسكوني بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية. أدت هذه الجهود إلى تحسن العلاقات ورفع بعض الحرمانات المتبادلة، مما يظهر رغبة في تجاوز الخلافات التاريخية رغم عدم الوحدة الكاملة بعد. اذ تظهر بين الحين والاخر بعض التوترات في مناطق التماس مثل البلقان، حيث تتداخل الحدود الدينية مع التوترات العرقية والسياسية التي تعود جذورها جزئياً إلى قرون من الانفصال والتنافس بين الشرق والغرب.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)