عقب اعلان قرار الامم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 بتقسيم ارض فلسطين التاريخية بين العرب واليهود، حدثت هناك خلافات عميقة وتنافسات بين القوى العربية الرئيسية (خاصة بين الهاشميين في العراق والأردن ومصر الملكية) حول زعامة العرب او الدول العربية، والتي بلورت في التعامل مع قضية فلسطين بالشكل الصحيح. فانقسم الرأي الى اتجاهين:
الاتجاه الأول ينص على القبول المشروط بالتقسيم مقابل مشروع "الهلال الخصيب"، مما يهدف إلى تحقيق نوع من الوحدة الإقليمية في المشرق العربي (سوريا، العراق، الأردن، والجزء العربي من فلسطين) تحت قيادة هاشمية، مقابل القبول ضمنياً أو فعلياً بوجود دولة يهودية في الجزء الآخر من فلسطين. وكان من أبرز زعمائه:
- نوري السعيد رئيس وزراء العراق: والذي سبق وان قدم في مذكرة شهيرة عام 1943 سميت لاحقا بـ"الكتاب الأزرق"، كتب فيها تصورا حول مشروع الهلال الخصيب، وكان يعتقد أن هذا المشروع يمكن أن يوفر حلاً للقضية الفلسطينية عبر دمج ما يتبقى من فلسطين العربية ضمن اتحاد أوسع يحظى بدعم بريطاني.
- الملك عبد الله الأول (ملك الأردن): والذي كان لديه تطلعات لضم الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى مملكته، وكان يرى في مشروع الهلال الخصيب أو صيغة مشابهة فرصة لتحقيق "سوريا الكبرى" تحت التاج الهاشمي (الحلم القديم لأسرة الشريف حسين).
- حسني البرازي (سياسي سوري): يُعتبر محسوباً على التيار القومي السوري الذي يرى في الوحدة مع العراق والأردن مصلحة قومية.
- راغب النشاشيبي (سياسي فلسطيني): كان يمثل تياراً معتدلاً نسبياً (منافس لتيار الحاج أمين الحسيني مفتي القدس) وكان أكثر انفتاحاً على الحلول التوافقية أو تلك التي تتضمن ارتباطاً بالهاشميين.
- الملك فاروق (ملك مصر): كان يسعى لقيادة العالم العربي وينافس الهاشميين على الزعامة. عارض بشدة مشروع الهلال الخصيب وأي حلول وسط، ودفع باتجاه الحل العسكري.
- عبد الرحمن باشا عزام (أمين عام جامعة الدول العربية): والذي تبنى موقفاً قومياً عربياً صارماً رافضاً للتقسيم، واعتبره باطلاً من الناحية القانونية والأخلاقية. كان له دور محوري في توحيد الموقف العربي الرسمي حول خيار الحرب.
- فوزي القاوقجي (ضابط سوري): كان قائداً لجيش الإنقاذ العربي الذي أُرسل إلى فلسطين لمحاربة القوات اليهودية قبل انسحاب القوات البريطانية. وكان يمثل التوجه العسكري الرافض للتقسيم.
- الحاج أمين الحسيني (مفتي القدس): وكان الزعيم الفلسطيني الأبرز ورئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين، والرافض الأول للتقسيم ولأي حلول توافقية، وكان يدعم خيار المقاومة المسلحة الشاملة.
ولكن في النهاية، غلب الاتجاه الثاني في اتخاذ القرار الرسمي لجامعة الدول العربية، المعلن في 12 ديسمبر وكان بإجماع الآراء من الحاضرين، مما أدى إلى رفض قرار التقسيم وإعلان الحرب في مايو 1948. وكانت التوترات بين هذين الاتجاهين بعد ذلك كانت عاملاً مهماً في تحديد مسار الأحداث والحرب نفسها. وقبيل إعلان حرب 1948، شهد الموقف العربي الرسمي والشعبي توترات وخلافات عميقة بين الاتجاهين السابق ذكرهما في المنشور السابق، مما أثر بشكل مباشر على التحضيرات العسكرية والسياسية، وساهمت في حالة التشرذم التي دخلت بها الجيوش العربية الحرب:
- الشلل السياسي وتضارب الأهداف: كان التنافس بين الملك فاروق ملك مصر والملك عبد الله ملك الأردن هو المحرك الرئيسي لهذه التوترات. سعى كل طرف لزعامة العالم العربي، مما جعل التنسيق الحقيقي صعباً. وعليه فقد عارضت مصر بشدة مشروع "الهلال الخصيب" الهاشمي، خوفاً من تمدد نفوذ الهاشميين وتهديد مكانة القاهرة كمركز للقيادة العربية. هذا التنافس دفع مصر لتبني موقف أكثر تشدداً ورفضاً لأي حلول وسط قد تعزز الموقف الهاشمي. وقد عرقلت هذه الخلافات تشكيل قيادة عسكرية موحدة وفعالة، حيث كانت كل دولة تتحرك وفق مصالحها وأهدافها الخاصة، بدلاً من استراتيجية عربية شاملة.
- إضعاف الموقف الفلسطيني الموحد: انعكست الخلافات العربية على القيادة الفلسطينية نفسها، حيث كان هناك انقسام بين تيار الحاج أمين الحسيني (المعارض للتقسيم ولأي دور هاشمي) وتيار النشاشيبي (الأكثر اعتدالاً وقبولاً بالهاشميين). وقد أدى هذا الانقسام إلى إضعاف القدرة الفلسطينية على التنظيم والتعبئة الذاتية، وجعلها تعتمد بشكل كبير على الدعم العربي الخارجي المتذبذب.
- التضارب في التحضيرات العسكرية: على الرغم من قرار الجامعة العربية الرسمي برفض التقسيم وإرسال جيش الإنقاذ (بقيادة فوزي القاوقجي)، إلا أن هذا الجيش كان يفتقر إلى التدريب الجيد والأسلحة الكافية والتمويل المنتظم، وذلك جزئياً بسبب عدم وجود التزام حقيقي وكامل من كل الدول العربية. كانت بعض الدول، وخاصة الأردن، لديها خططها الخاصة لدخول الحرب لضم مناطق محددة (الضفة الغربية والقدس الشرقية) وليس لتحرير فلسطين بأكملها وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
- غلبة تيار الرفض شكلياً: في النهاية، نجح الاتجاه الثاني (الرفض القاطع والحرب) في فرض موقفه على مستوى القرار الرسمي لجامعة الدول العربية بالإجماع. إلا أن التوترات الكامنة بين الاتجاهين أدت إلى تنفيذ غير منسق للحرب، مما ساهم في النتائج التي آلت إليها الأمور لاحقاً، بما في ذلك قيام دولة إسرائيل واحتلالها لأجزاء واسعة من الأراضي التي كانت مخصصة للدولة العربية في خطة التقسيم.



