ماذا لو فشلت ثورة يوليو 1952 واستمرت مصر تحت الحكم الملكي ؟

طارق الشافعي
كتب
0
لو فشلت ثورة يوليو 1952، واستمر الملك فاروق على عرشه، لكانت مصر الملكية ستواجه تحديات داخلية وخارجية ضخمة، خاصة في ظل تصاعد الحركات القومية وتراجع النفوذ الاستعماري. فالامر يتطلب تحليلًا تخيليًا ولكنه مدروس يعتمد على السياق التاريخي لمصر في أوائل الخمسينيات، والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية العالمية والإقليمية في تلك الفترة. في هذه التدوينة سنحاول تقديم تصورًا شاملًا لما كان يمكن أن يحدث لو فشلت ثورة يوليو 1952، واستمر النظام الملكي بقيادة الملك فاروق أو خلفائه، مع الأخذ في الاعتبار العوامل التالية: الوضع الداخلي في مصر، العلاقات مع بريطانيا والقوى الغربية، الصراع العربي الإسرائيلي، ملف السودان، والعلاقات مع الدول العربية، إلى جانب التطورات العالمية في الخمسينيات والستينيات. إن تحليل مصير مصر لو فشل انقلاب الجيش في يوليو 1952 ليس مجرد افتراض من الخيال، بل هو ضرورة لفهم عمق التغييرات التي أحدثتها الثورة. بالعودة إلى المسارات التي كانت قائمة آنذاك، يمكننا بناء تصور دقيق للتداعيات المحتملة لهذا السيناريو، خصوصاً وأن بقاء النظام الملكي كان سيحدث على خلفية عالمية مضطربة، تتسم بتصاعد حركات التحرر الوطني وتراجع النفوذ الاستعماري وبدايات الحرب الباردة. يستعرض هذا التقرير تلك التداعيات المحتملة بالتركيز على المحاور الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

( صورة تخيلية للملك فاروق الاول بعمر الستين عاما )

على الصعيد السياسي:

في حال استمرار النظام الملكي، كان من المرجح أن يواجه الملك فاروق تحديات سياسية كبيرة بسبب تراجع شعبيته. قبل عام 1952، كان النظام الملكي يعاني من الفساد، ضعف الحكم، وعدم القدرة على مواجهة النفوذ البريطاني. لو فشلت الثورة، كان النظام سيستمر كملكية دستورية، لكن سلطات الملك فاروق كانت ستبقى عائقا نحو حياة دستورية سليمة، مع تداول الحكومات الائتلافية التي تتأثر بالصراع بين القصر وحزب الوفد والأحزاب الأخرى. قد يضطر الملك إلى تقديم تنازلات لاحتواء الشارع، مثل توسيع صلاحيات البرلمان أو إجراء إصلاحات دستورية، او زيادة عطايا ومزايا ضباط الجيش، لكن هذه الإصلاحات كانت ستكون محدودة بسبب مقاومة النخبة الحاكمة. هذا قد يؤدي إلى استمرار عدم الاستقرار السياسي. لكن من المرجح أن تظل السلطة مركزة في يده، مع النخبة الأرستقراطية والإقطاعيين.


كذلك استمرار هيمنة حزب الوفد، فبرغم كراهية الملك للنحاس إلا ان حزب الوفد لا يزال القوة السياسية الأكثر شعبية، ولكنه كان يعاني من انقسامات داخلية. قد يتمكن الوفد من تشكيل حكومات لاحقة، بعد زوال حكومته بدايات عام 1952، لكن مع استمرار الفساد وسيطرة الإقطاعيين، كان من المحتمل أن تتصاعد التوترات مع الحركات الشعبية، مثل الإخوان المسلمين والشيوعيين، مما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية أو حتى تمردات. وقد يؤدي فشل حركة الجيش او ثورة يوليو الى صعود حركات اخرى معارضة، فقد يعزز من قوة الإخوان المسلمين كأكبر حركة شعبية وقتها، أو الحركات اليسارية الناشئة، مما يزيد من احتمالية الصدامات بين هذه الحركات والنظام الملكي، خاصة مع تزايد الوعي السياسي بين الطبقات الوسطى والدنيا، وهذا ما ينبئ بثورة عامة في الافق.


الوضع الاقتصادي:

كان الاقتصاد المصري في أوائل الخمسينيات يعتمد بشكل كبير على الزراعة (خاصة القطن المصري طويل التيلة)، وكذلك كان يعاني من التفاوت الاجتماعي الشديد بسبب الإقطاع. في حالة استمرار النظام الملكي. من ناحية اخرى، ادخلت ثورة يوليو عدة اصلاحات زراعية قلصت من هيمنة الإقطاعيين. بدون هذه الإصلاحات، كان التفاوت الاجتماعي سيستمر، مع بقاء الفقر الريفي مشكلة مزمنة، مما يعزز من التوترات الاجتماعية والاقتصادية. ذلك ستستمر سياسة الاعتماد على بريطانيا في عديد من القطاعات الاقتصادية، ايضا ستحافظ على اقتصاد السوق الحر (الرأسمالي) بشكل أكبر. تستمر سيطرة طبقة كبار الملاك (الإقطاعيين) على الأراضي الزراعية والرأسمالية المصرية والأجنبية على الصناعة والخدمات. ايضا لن يكون هناك تأميم لقناة السويس أو البنوك والشركات الأجنبية، وبدون تأميم القناة، كان من المرجح أن يظل الاقتصاد المصري تابعًا للمصالح الغربية، مع نمو اقتصادي محدود. كذلك نقطة بطء التصنيع، رغم بدايته فعليا خلال فترة الثلاثينات في منشآت بنك مصر، ولكن ثورة يوليو ركزت على التصنيع والتنمية الاقتصادية بشكل اساسي. ففي ظل النظام الملكي، كان من المحتمل أن تظل مصر اقتصادًا زراعيًا بشكل أساسي، مع ضعف في البنية التحتية الصناعية، لا تواكب التغيرات العالمية الجارية في الخمسينيات والستينيات، فكانت الدول النامية تسعى للتصنيع والاستقلال الاقتصادي. فكان الاقتصاد سيبقى مرتبطًا بشكل وثيق بالرأسمالية الغربية والاستثمارات البريطانية والأمريكية. لذلك فإن مصر الملكية كانت ستجد صعوبة في مواكبة هذه التغيرات بدون رؤية إصلاحية قوية، مما قد يؤدي إلى تأخر اقتصادي نسبي.


مفاوضات الجلاء البريطاني:

في ظل استمرار مصر تحت الحكم الملكي كانت مفاوضات الجلاء ستستمر على الأرجح في إطار المعاهدة الإنجلو-المصرية لعام 1936 ولكنها ستواجه صعوبة التوصل لاتفاق شامل في تحقيق جلاء كامل غير مشروط للقوات البريطانية من قناة السويس (التي كانت تخدم مصالح الغرب الحيوية خلال الحرب الباردة). فمن المتوقع من بريطانيا انها كانت ستحافظ على وجودها العسكري في منطقة القناة لفترة أطول، ربما حتى أواخر الخمسينيات أو أوائل الستينيات. وقد تضطر الحكومة المصرية للتفاوض على شروط تسمح لبريطانيا بإعادة استخدام القاعدة في حالة الحرب، أو الإبقاء على فنيين بريطانيين تحت غطاء مدني، او تستخدم بريطانيا الانسحاب كورقة ضغط على الحكومة لقبول عرض مد امتياز القناة لخمسون عاما اضافية (الى سنة 1998)، وقد يقبل الملك في سبيل الجلاء، ولكن كل هذا سيعزز من اثارة غضب الشارع المصري مما يؤدي لتصاعد المقاومة، من حركة الفدائيين ضد الوجود البريطاني في منطقة القناة، وقد يضطر الملك إلى حلول وسط للموازنة بين رغبة الشارع والضغوط البريطانية، مما يجعل موقفه حرجا بين اولئك وهؤلاء.


ملف السودان

قبل ثورة يوليو، كانت مصر تدعو إلى "وحدة وادي النيل" تحت التاج المصري، وكان هذا الامر بدعم من النخبة المثقفة دون اي اثر له في الشارع المصري. ولكن في السودان الامر يختلف، فقد اثمرت سنوات الاحتلال عن سد عالي بين الشعبين، اجتماعيا وسياسيا، فقد دعم الانجليز بعض النخبة السودانيين الداعين للانفصال، فلو استمر النظام الملكي، لن تجد سياساته قبولا بل مقاومة قوية من الحركات الوطنية السودانية، وكان الدعم البريطاني سيعزز تحركاتها، فبريطانيا التي كانت تدير السودان بالاشتراك مع مصر منذ عام 1899 كانت ستُفضل استقلال السودان لضمان نفوذها. ومن المرجح أن يُصبح السودان مستقلًا في منتصف الخمسينيات، كما حدث فعليًا، لكن العلاقات بين مصر والسودان كانت ستكون أكثر توترًا من مثيلتها في ظل حكومة ثورة يوليو. فبدون السيطرة القوية على السودان، ولو من خلال القوة الناعمة والعلاقات الجيدة، كانت مصر ستفقد جزءًا من نفوذها الإقليمي، خاصة فيما يتعلق بمياه النيل.


العلاقات المصرية العربية:

لو استمرت مصر في ظل الحكم الملكي، من المتوقع ان دورها سيكون أقل قوة وتأثيرًا في العالم العربي مقارنة بدورها بعد عام 1956 (تأميم قناة السويس). كما كانت سياساتها الخارجية ستكون أكثر تبعية للغرب (الولايات المتحدة وبريطانيا) لضمان الدعم الاقتصادي والسياسي، على عكس سياسة عدم الانحياز التي تبناها عبد الناصر في محاولة منه للاستقلال السياسي والحصول على دعم من شعوب العالم الحر. ولذلك فإن العلاقات مع الدول العربية من المتوقع ان تكون علاقات تقليدية مع الممالك العربية (السعودية، الأردن، العراق) ستكون أكثر استقرارًا وتقليدية، قائمة على روابط ملكية محافظة، ولكنها على اي حال ستكون محدودة بسبب التنافس المزعوم من كل بلد على الزعامة. من ناحية اخرى ستجد مصر الملكية صعوبة في كسب تعاطف ودعم الحركات القومية الثورية الصاعدة في العالم العربي (مثل التيارات اليسارية البعثية في سوريا ولبنان والعراق لاحقا). وهذا كان سيؤدي الى تراجع الزعامة المصرية في ظل الحكم الملكي، والتي كانت ستتوزع بين العراق الهاشمي او السعودية (الدولة الوليدة أنذاك)، او تظل الدول العربية مفتقدة لقائد او زعيم قوي مؤثر في الجميع.


الصراع العربي الاسرائيلي:

في ظل استمرار النظام الملكي المصري، الحليف للغرب، كان من المحتمل أن يظل الجيش المصري ضعيفًا نسبيًا، كما كان في حرب 1948 وما بعدها. كما ان تبعية النظام للغرب كانت ستمنعه من مواجهة اسرائيل بشكل مباشر، فما كانت حروب مثل السويس عام 1956 ولا نكسة عام 1967 لتقع في ظل هذا، بل كان النظام سيتخذ موقفا من اسرائيل اشد حذرا، وهذا بالطبع يضعف الموقف العربي ككل، كما قد يؤدى إلى توترات مع دول عربية أخرى اختارت استمرار المواجهة المباشرة مع اسرائيل.


الوضع الاجتماعي والثقافي

ومن الناحية الاجتماعية متوقع ان تظل في مصر الملكية الفجوة الكبيرة بين طبقة الباشاوات والبكوات مقابل عامة الشعب، ستظل قوية ومترسخة. فالنظام الملكي كان يعتمد على النخبة الإقطاعية والأرستقراطية، مما كان سيؤدي إلى استمرار الفجوة بين الطبقات. هذا قد يعزز من الشعور بالظلم الاجتماعي. كما سيستمر التوسع المحدود في التعليم، لكن غالبًا مع استمرار الازدواجية التقليدية بين التعليم الأجنبي والمدارس الخاصة للطبقة العليا، والتي تعني بالدرجة الأولى لتخريج كوادر مؤهلة للعمل بالمناصب العليا في الدولة، والقيادية لاحقا، وهي النخبة المعزولة ثقافيا بوصفها تجيد التحدث بلغتين على الاقل الى جانب العربية، مقابل التعليم الحكومي المجاني المتاح للجميع، والمعنى بتخريج موظفين مهنيين للعمل بالوظائف الدنيا بالجهاز الاداري بالدولة، مما يكون طبقة محدودة الطموح والثقافة ويركز من وجود الفجوة الاجتماعية الطبقية. وعلى صعيد الثقافة والفنون، كانت القاهرة مركزًا ثقافيًا إقليميًا، ومن المحتمل في ظل مصر الملكية أن تستمر كذلك، ولكن بدون الدعم الحكومي الذي قدمته حكومة الثورة للفنون والثقافة القومية، قد تظل الأعمال الفنية محصورة في دوائر النخبة، فيستمر في الازدهار (الذي كان قد بدأ بالفعل في الثلاثينات والاربعينات في ظل العصر الملكي)، وبالتالي سيكون أقل توجيهًا للجمهور العريض، وربما أكثر رقابة من الناحية السياسية والاجتماعية للحفاظ على الوضع القائم. استمرار الفجوة بين الطبقات والتقييد في حرية الرأي قد يعزز من الشعور بالظلم الاجتماعي، خاصة مع صعود وانتشار الأفكار القومية والاشتراكية بين الجمهور.


الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)