بني إسرائيل يحتلون أرض كنعان ويؤسسون دولة مستقلة

طارق الشافعي
كتب
0
وفي أرض كنعان اتسمت حياة بني اسرائيل بالتنقل البدوي من مكان إلى آخر، أو العيش على تخوم المدن أو قربا من طرق التجارة. وفي مرحلة لاحقة استوطنوا ارض مصر دون أن يضربوا جذورًا فيها كما كان الحال في أرض كنعان، جاءوها غرباء وخرجوا منها غرباء! وبعد أن خرجوا العبرانيون من مصر بقيادة نبيهم موسى عليه السلام وأخيه هارون تقريبا أواسط القرن السابع عشر قبل الميلاد، حيث كانت مصر في عصر الدولة الحديثة، ليبدأوا فترة أخرى من التجوال في برية سيناء انتهت بالتغلغل العبراني مرة أخرى إلى كنعان خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد. 

وقد عاش اليهود في أرض كنعان بعد خروجهم من مصر لفترة ليست بالقصيرة، كونوا فيها نظاما سياسيا مستقلا ولكنه ليس مستقر بأي حال من الاحوال! تعتبر فترة من الاستقرار النسبي بعد قيام القبائل العبرانية في تشكيل اول كيان موحد لهم المملكة العبرانية المتحدة بقيادة الملك شاؤول (طالوت)، ولكن أمام نزاعات القبائل سرعان ما انقسمت الى مملكتين: المملكة الشمالية [اسرائيل] والمملكة الجنوبية [يهوذا]. وقد انتهت احدى هاتين المملكين تماما امام الغزو الآشوري خلال القرن الثامن قبل الميلاد، حين هاجم الملك الآشوري تجلت بلاسر شمال سوريا ولبنان وحتى حدود مملكة اسرائيل الشمالية، وقام بتهجير السكان لبلاده كنوع من تغيير التركيبة السكانية للمكان المكتسب الجديد، فيسهل السيطرة عليه ويمنع الثورات والشغب. وفي القرن السادس قبل الميلاد، غزا نبوخذ نصر ملك البابليين بلاد كنعان وانتصر على اليهود في مملكه يهوذا الجنوبية واخذهم أسرى إلى بلاده ليتم القضاء على المملكتين الشمالية والجنوبية بشكل نهائي. 



كانت اول مملكه لهم تحت حكم الملك شاؤول عام 1050 ق. م. (طالوت كما ورد ذكره في القرآن الكريم) وكان ملكا قويا، استطاع توحيد القبائل (الاسباط) الاثني عشر تحت حكمه، كما استطاع ان يواجه الاطماع الخارجية للممالك المحيطة، المؤابيين والعمونيين من جهة الشرق والفلسطينيين من جهة الغرب (جهة الساحل). جاء من بعده داوود النبي (عليه السلام) ويليه ابنه سليمان النبي (عليه السلام) ويعتبر هذا العصر هو العصر الذهبي لمملكة اسرائيل، حيث عاشوا حياة مستقرة ومستقلة، بنوا هيلكهم في اورشليم (القدس) ولم يخضعوا فيها لأي من الممالك المحيطة. ولكن في اواخر عهد سليمان، ثار ضده يربعام بن افرايم، والذي كان يرى بانه أحق بالحكم منه واستطاع استمالة عشرة قبائل من الاثني عشر، ولكن لما فشلت ثورة يربعام ذهب الى مصر طالبا حماية ملكها شيشنق، والذي وجدها فرصة لبسط نفوذه على بلاده والبلاد المحيطة. فبعد ان وصلت الأنباء بوفاة سليمان النبي عليه السلام ملك اسرائيل، شن شيشنق ملك مصر حملة كبيرة على مملكة اسرائيل عام 926 ق. م. ، ودخل القدس ونهبها عن اخرها، نهب كنوز الهيكل، كما قام بحملات خاطفة دمر فيها عشرات المدن المؤابية في صحراء النقب وسهل يزرل وشرقيّ وادى الأردن، وقد سجل الملك شيشنق اخبار تلك الحملة على جدران معبد الكرنك بالاقصر، ورسم الاسرى من مملكة اورشليم وهم مقيدي الايدي في طابور الاسرى. اخضع شيشنق أكثر من 150 مدينة، ولكن التفاصيل التي كتبها المصريون لا تطابق التفاصيل الوارده في التوراه (اسفار الملوك) العلماء لا يستطيعون الجزم بجميع التفاصيل المستمدة من التوراة اذ ورد بها تغيرات كبيرة.


وبعد ذلك انقسمت مملكة اسرائيل الموحدة لمملكتين، شمالية عاش فيها عشرة قبائل او اسباط تحت مُلك رحبعام وعاصمتها مدينة شكيم، وجنوبية عاشت فيها قبيلة يهوذا وبنيامين تحت ملك يربعام بن الملك سليمان وعاصمتها القدس، ولم تعرف اي من لمملكتين منذ ذلك التاريخ مجدا عسكريا او سياسيا. اذ ظلت المملكة الشمالية تابعة لملك مصر، تؤدي الجزية كل عام، وملوكها ينالون القبول من ملك مصر اولا قبل تنصيبهم، ثم خضعوا لملك آشور في وقت لاحق. وملوك الجنوب دائما في صراع مع المؤابيين والأدوميين، وقد ترك ملوكهم ألواح مدون عليها انتصاراتهم على بني اسرائيل اكثر من مرة. حتى انتهت المملكتين تماما بفعل السبي  الآشوري لمملكة اسرائيل الشمالية عام 740 ق. م. ، والسبي البابلي لمملكه يهوذا (إسرائيل الجنوبية) عام 597 ق. م. بعدها انتهى الاستقلال السياسي لليهود، ولفترة طويلة.


وخلال الفترة التي قضاها اليهود في مصر او في شتاتهم في برية سيناء أو حتى في ممالكهم التي اقاموها بأرض كنعان، كانت اللغة العبرية هي اللغة الرسمية لبني إسرائيل، وكانوا يكتبونها بحروف قريبه الشبه من حروف اللغة الكنعانية التي كانت سائده في كل ممالك ساحل فلسطين ولبنان وغرب سوريا، الى جانب كونها لغة دينية بها يكتبون التوراة (كتابهم المقدس) وبها يتلون صلواتهم في هياكلهم وبيعهم. وقد اتسمت العبرية في هذا الزمن بالنقاء والبُعد عن أي تأثيرات أجنبية، ظهرت حروفها القديمة على عدد من النقوش الأثرية على الصخور والأحجار والعملات. كما اعتمد بني إسرائيل أيضا الآرامية كلغة للمراسلات بينهم وبين الممالك الأخرى. ولكن بعد السبي الثاني إلى مدينة بابل بدأت اللغة العبرية مرحلة جديدة في حياتها، نواصل الحديث عنها لاحقا.. فتابعونا ✨

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)